قانون العقود الحكومية وتفعيل المنصة
مجاشع التميمي
إن استرداد أكثر من تريليوني دينار عراقي من الأموال المرتبطة بملفات الفساد يمثل خطوة مهمة، ويستحق رئيس الحكومة علي الزيدي الإشادة بجهوده في ملاحقة الفاسدين، وتدقيق العقود قبل إبرامها، وتنفيذ أوامر القبض بحق المتورطين. لكن السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة استرداد الأموال المهدورة باستمرار، من دون أن تغلق الأبواب التي تسمح بسرقتها؟
العراق لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من سوء إدارتها، وتعطيل أدوات الرقابة، وغياب الإرادة السياسية الكافية لإصلاح المنظومة القانونية والإدارية. ففي ظل أزمة السيولة والضغوط المالية، تحتاج الحكومة إلى تعظيم إيرادات الجمارك والضرائب والرسوم والجباية النفطية، ومراجعة العقود الحكومية، بدلا من تحميل المواطنين أعباء إضافية.المشكلة الأخطر تتمثل في غياب تشريع متكامل ينظم العقود الحكومية ويحدد المخالفات والجرائم والعقوبات بوضوح. فالتلاعب بالأسعار والمواصفات والتخمينات، واستغلال الصلاحيات التقديرية والاستثناءات الممنوحة لبعض المسؤولين، قد يؤدي إلى هدر مبالغ كبيرة من المال العام، بينما تبقى بعض المخالفات ضمن نطاق المساءلة الإدارية، ما لم تتوافر الأدلة والأركان القانونية اللازمة للمساءلة الجزائية.
ومن المفارقات أن المنصة الخاصة بالعقود الحكومية، التي أُنشئت في عهد حكومة محمد شياع السوداني بالتنسيق مع وزارة التخطيط وبالتعاون مع جهات دولية، لم تدخل حيز التنفيذ، وفق المعلومات المتاحة. وكان من شأن تفعيلها أن يسهم في توحيد البيانات، ومقارنة الأسعار، وتدقيق المواصفات، وتعزيز الشفافية في مشتريات الوزارات ومؤسسات الدولة.
هذه المنصة ليست مجرد مشروع تقني، بل أداة وقائية تنقل الرقابة من اكتشاف الفساد بعد وقوعه إلى الحد من فرص حدوثه قبل إبرام العقود وصرف الأموال. غير أن نجاحها يتطلب تشريعا نافذا، ورقابة مستقلة، وإجراءات ملزمة، ولا يمكن الجزم بنسبة محددة لفاعليتها من دون دراسة موثقة.
إن جهود رئيس الحكومة علي الزيدي في تدقيق العقود مسبقا وملاحقة المطلوبين تمثل خطوة بالاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى غطاء تشريعي وإصلاح مؤسسي يضمن استمراريتها، فلا ترتبط مكافحة الفساد بشخص رئيس الحكومة أو بمدة بقائه في المنصب.
وهنا تقع المسؤولية الأكبر على القوى السياسية والبرلمان. فمكافحة الفساد الحقيقية لا تتحقق بالقبض على المتهمين واسترداد الأموال فقط، بل بتشريع قانون للعقود الحكومية، وتفعيل المنصة المعطلة، وسد الثغرات القانونية، وتقييد الصلاحيات التقديرية التي تتيح استغلال المنصب لتحقيق المنافع الخاصة.
هناك فرق بين محاربة الفساد ومكافحته؛ فالمحاربة تطارد الفاسدين، أما المكافحة فتجفف منابع الفساد وتمنع تكراره. وإذا كانت الحكومة جادة في الإصلاح، فعلى القوى السياسية أن تثبت جديتها بالتشريع والرقابة، لا بالاكتفاء بالتصريحات.
العراق لا يحتاج إلى حملات تسترد الأموال فقط، بل إلى دولة تمنع سرقتها من الأساس.