الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يدفع الثمن ؟.. بين الإنتحار السياسي والإغتيال الإقتصادي

← بواسطة azzaman

من يدفع الثمن ؟.. بين الإنتحار السياسي والإغتيال الإقتصادي

أحمد آل حميد

 

لم يعد ارتفاع سعر الدولار في العراق مجرد تقلب في سوق الصرف، بل أصبح واقعاً اقتصادياً ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، ويمس قدرته على تأمين احتياجاته اليومية والحفاظ على مستوى معيشته، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

يعتمد الاقتصاد العراقي إلى حد كبير على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل موارد الدولة شديدة التأثر بأي تراجع في أسعار النفط أو انخفاض في صادراته. ومع اتساع أعباء الموازنة وتزايد الاحتياجات الحكومية، تصبح الخيارات المتاحة أمام الدولة أكثر صعوبة، وقد تنعكس آثار القرارات الاقتصادية في نهاية المطاف على حياة المواطن ومستوى معيشته.

ضغوط مالية

وفي ظل هذه الظروف، قد يأتي قرار ارتفاع سعر الصرف نتيجة ضغوط مالية تواجهها الدولة، إلا أن آثاره لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى حياة المواطن اليومية، من خلال ارتفاع كلفة الاستيراد وزيادة أسعار السلع والخدمات مع تراجع القوة الشرائية، تكون الفئات محدودة الدخل الأكثر تأثراً، ما لم ترافق هذه الإجراءات سياسات تحد من آثارها على الواقع الاجتماعي.

وهنا يبرز مفهوم «الانتحار السياسي»، عندما يصبح القرار الاقتصادي، مهما كانت مبرراته، سبباً في زيادة الأعباء على المواطن، فيفقد الناس ثقتهم بالسياسات التي يفترض أن تحميهم وتحافظ على استقرارهم المعيشي.

لكن الخطر لا يتوقف عند القرار نفسه، فاستمرار ارتفاع الأسعار مع ثبات الدخول يؤدي تدريجياً إلى تآكل الطبقة الوسطى، واستنزاف المدخرات، وزيادة صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية. وعندما تتراكم هذه الضغوط نتيجة سوء الإدارة وتأجيل الإصلاحات، يصبح المواطن أمام ما يمكن وصفه بـ«الاغتيال الاقتصادي»، ليس باعتباره خطة متعمدة لإفقار المجتمع، وإنما نتيجة طبيعية لاقتصاد يستهلك قدرات الناس بدلاً من أن يحميها.

إن المشكلة الحقيقية ليست في سعر الدولار وحده، بل في بنية الاقتصاد العراقي الذي ما زال يعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكون بإجراءات نقدية مؤقتة فقط، بل تحتاج إلى بناء اقتصاد متنوع يقوم على دعم الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات، وترشيد الإنفاق الحكومي، والحد من الهدر والفساد، وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي.

فالدولة التي تمتلك موارد كبيرة يجب أن تكون قادرة على تحويل هذه الموارد إلى فرص عمل وإنتاج واستقرار، لا أن تجعل المواطن يدفع ثمن تقلبات الاقتصاد من قوته اليومي ومدخراته ومستقبل أبنائه.

وفي النهاية، لا تُقاس السياسة الاقتصادية بما توفره للموازنة من أرقام فقط، وإنما بقدرتها على حماية المواطن والحفاظ على قدرته الشرائية وتعزيز ثقته بمستقبل بلده.

فأزمة الدولار ليست مجرد أزمة عملة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة اقتصادها وحماية مواطنيها.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله:

بين الانتحار السياسي والاغتيال الاقتصادي.. من يدفع الثمن؟

 


مشاهدات 43
الكاتب أحمد آل حميد
أضيف 2026/10/12 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 12:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 14 الشهر 22582 الكلي 16607751
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير