الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قانون الموازنة على ظهر الفقير

← بواسطة azzaman

قانون الموازنة على ظهر الفقير

عبدالكريم يحيى الزيباري

 

للموازنة العامة شقّان: الإيرادات والنفقات. ومعالجة العجز تقتضي العمل عليهما معًا؛ بزيادة الموارد وترشيد الإنفاق. وتبرر الحكومة:

لكن لماذا تبحث الحكومة عن إيرادات إضافية من خلال رفع سعر الدولار قبل مراجعة نفقاتها وامتيازات كبار موظفيها؟

رفعت الحكومة سعر بيع الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520 دينارًا، فيما كان سعره في السوق الموازية نحو 1600 دينار، ثم بلغ، بحسب الأسعار المتداولة، نحو 1640 دينارًا. وقد تقلصت الفجوة بين السعرين حسابيًا، لكن المواطن أصبح مطالبًا بدفع دنانير أكثر للحصول على الدولار بالسعر الرسمي. فأين المكسب الذي تحقق له؟

فاتحت الحكومة مؤسساتها لتقديم مقترحات زيادة الإيرادات. لكن معالجة العجز تقتضي أيضًا مراجعة الرواتب المرتفعة والمخصصات والامتيازات، بدءًا بالدرجات الخاصة، وحماية الموظفين محدودي الدخل. فالراتب الصغير، الذي بقي على حاله، فقد جانبًا من قدرته الشرائية مع انخفاض قيمة الدينار، فيما يواجه صاحبه ارتفاعًا في تكاليف المعيشة.

ولماذا لا تُراجع المخصصات الكثيرة والمتداخلة، ومنها مخصصات الشهادات والمهن والاختصاصات والطعام والخطورة والسكن والملابس؟ وما مبررات الجمع بين مخصصات الشهادة والمهنة، وما الحدود التي تمنع تحولها إلى امتيازات منفصلة عن طبيعة العمل؟ المطلوب مراجعة الاستحقاقات الفعلية، وإلغاء الازدواج غير المبرر، وتوجيه الإنفاق إلى ما يحقق منفعة عامة.

كتبَ علي العلاق محافظ البنك المركزي الأسبق ومستشار رئيس الوزراء حاليًا (إن خفض قيمة الدينار لمعالجة عجز الموازنة سياسة لها تداعياتها وتشكل مدخلاً غير صحيح لتصحيح أوضاع الماليّة العامة وتُفقد الثقة بالعملة المحلية بسبب ما يولده ذلك من انطباع حول اللجوء إلى خفض قيمة الدينار، كلما حصل عجز في الموازنة، إن معالجة اختلالات الموازنة العامة ينبغي ان تعالج بأدوات السياسة الماليّة وليس بالضغط على السياسة النقدية/ مالية العراق: من فخ العجز إلى مسارات الإصلاح المُستدام، شبكة الإعلام العراقي، 2026، ص46).

هذا هو جوهر المشكلة: لماذا تتحمل العملة الوطنية كلفة عجز الموازنة؟ ولماذا يصبح انخفاض قدرتها الشرائية وسيلة لتحسين إيرادات الدولة بالدينار؟

وليست ازدواجية سعر الصرف ظاهرة عراقية خالصة. ففي مصر، اتُّخذت سنة 2024 إجراءات لتوحيد السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، فتقلصت الفجوة بعد انخفاض كبير في قيمة الجنيه. وفي نيجيريا، اتجه البنك المركزي إلى توحيد نوافذ الصرف، وتدخل ببيع الدولار لتحسين توافره. وتكشف هذه التجارب أن تضييق الفجوة بين السعرين لا يكفي وحده لمعالجة اختلالات الاقتصاد أو حماية القدرة الشرائية.

رقابة فعالة

وفي العراق، يبقى السؤال: لماذا يستمر وجود سعر رسمي للدولار وسعر آخر في السوق الموازية؟ ومن يستطيع الحصول على الدولار الرسمي، وبأي شروط؟ ومن ينتفع من الفجوة بين السعرين؟ إن الإجابة تقتضي إعلانًا واضحًا لآليات بيع الدولار والمستفيدين منه، ورقابة فعالة على المصارف والشركات ومكاتب الصرافة.

وثمة موارد أخرى تستحق المراجعة. فلماذا لا تبدأ الحكومة بإصلاح دعم المشتقات النفطية، ومعالجة فروق الأسعار التي تشجع التهريب، ومراقبة المنشآت الصناعية التي تحصل على الوقود والمواد المدعومة دون إنتاج يتناسب مع حجم الدعم؟ إن ترشيد هذا الإنفاق، مع حماية الفئات محدودة الدخل، قد يوفر موارد ويحد من الهدر والانتفاع غير المشروع.

ونقترح توسيع منافذ بيع الدولار من خلال مكاتب الصرافة المرخصة والخاضعة للرقابة، وتيسير الحصول عليه للأغراض المشروعة، وتقليل فرص الوساطة والمضاربة. كما ينبغي دراسة تعويض الموظفين محدودي الدخل عن تراجع قدرتهم الشرائية، سواء بتعديل مخصصاتهم المعيشية أو بآلية تعويض مرتبطة بارتفاع الأسعار. أما صرف الرواتب بالدولار، فيحتاج إلى دراسة أثره في الطلب على العملة الأجنبية واستقرار الدينار قبل اعتماده.

إن الفجوة بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازية تتيح فرصًا للربح لمن يستطيع الانتفاع بفروق الأسعار، بينما يتحمل المواطن محدود الدخل أعباء ارتفاع التكاليف. ومن حقه أن يعرف من يستفيد من هذه الفجوة، ولماذا تستمر، وما الذي يمنع تضييقها بإجراءات شفافة وعادلة.

فأي إصلاح مالي هذا الذي يبحث عن إنقاذ الموازنة من عجزها، ويترك المواطن يواجه عجزًا أكبر في ميزانية أسرته؟


مشاهدات 41
الكاتب عبدالكريم يحيى الزيباري
أضيف 2026/10/11 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 20558 الكلي 16605727
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير