رؤية قانونية.. تعديل سعر الصرف بين الإصلاح وعدالة توزيع الأعباء
عامر خضير سلمان
يُعدّ سعر الصرف من المتغيرات الأساسية المؤثرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لما يترتب عليه من آثار مباشرة في الأسعار والدخول والقدرة الشرائية، وانعكاساته على التجارة والاستثمار. وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق، في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وضعف تنويع مصادر الدخل، ومحدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية، ومن هذا المنطلق، فإن تقييم قرار تعديل سعر صرف الدولار لا ينبغي أن يقتصر على مبرراته النقدية والمالية، بل يتعين أن يمتد إلى آثاره الاجتماعية، ومدى عدالة توزيع أعبائه، والنتائج التي يمكن أن يحققها على المدى الطويل.
أولاً: مبررات تعديل سعر الصرف وحدودها
قد تفرض الاختلالات المالية والنقدية ضغوطاً تستدعي مراجعة سعر الصرف، ولا سيما في اقتصاد يعتمد على مورد نفطي متقلب ويستورد نسبة كبيرة من احتياجاته. فالدفاع عن سعر صرف لا ينسجم مع المؤشرات الاقتصادية قد يستنزف الاحتياطيات الأجنبية، في حين يمكن أن يسهم تعديله في تقليل بعض الضغوط على الطلب على الدولار، والحد من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وزيادة الإيرادات الحكومية المقومة بالدينار، غير أن هذه المبررات، على أهميتها، لا تعالج بمفردها الاختلالات البنيوية للاقتصاد العراقي، المتمثلة في ضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد على النفط، والتهريب، والفساد، ومحدودية كفاءة الإنفاق العام، كما أن زيادة الإيرادات بالدينار لا تمثل بحد ذاتها تحسناً اقتصادياً ما لم تُوجَّه نحو الاستثمار والإنتاج والتنمية المستدامة.
ثانياً: الكلفة الاجتماعية وعدالة توزيع الأعباء
يترتب على تعديل سعر الصرف ارتفاع محتمل في كلفة السلع والخدمات المستوردة، بما فيها الغذاء والدواء والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذي ينعكس على القوة الشرائية، ولا سيما لدى الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخول المحدودة، وتتفاقم هذه الآثار عندما ترتفع الأسعار من دون زيادات موازية في الدخول، أو من دون إجراءات فعالة للحماية الاجتماعية وضبط الأسواق. وهنا تبرز إشكالية العدالة الاقتصادية؛ إذ قد تتحمل الفئات الأقل قدرة مالية جانباً كبيراً من كلفة الإصلاح، رغم أنها ليست المسؤولة عن الاختلالات التي استدعت اتخاذه، ومع أن بعض الآثار قد يكون مؤقتاً وقابلاً للتخفيف، فإن ذلك يظل مرهوناً بكفاءة السياسات المصاحبة وسرعة تنفيذها. لذلك، لا يكفي تبرير القرار بضروراته المالية، بل ينبغي أن يقترن بإجراءات تحمي القدرة الشرائية وتحد من انتقال كلفته بصورة غير متوازنة إلى المواطنين.
ثالثاً: النتائج الاقتصادية المحتملة
انتاج محلي
يمكن لقرار تعديل سعر الصرف، إذا جاء ضمن سياسة اقتصادية متكاملة، أن يسهم في ترشيد الطلب على الدولار، والحد من بعض الاستيرادات غير الضرورية، وتحسين القدرة التنافسية لبعض المنتجات المحلية، وتشجيع الاستثمار في القطاعات القابلة للتصدير أو القادرة على إحلال الواردات، لكن هذه النتائج ليست تلقائية ولا مضمونة؛ فارتفاع سعر الدولار قد يزيد، في الوقت نفسه، كلفة الإنتاج المحلي بسبب الاعتماد على المواد الأولية والمعدات المستوردة. كما أن ضعف البنية الصناعية والزراعية، ومشكلات الطاقة والتمويل، والتعقيدات القانونية والإدارية، قد تحول دون استفادة الاقتصاد من التغير في سعر الصرف.
وعليه، فإن سعر الصرف، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده بناء اقتصاد إنتاجي أو إصلاح بيئة الأعمال، فنجاحه يتوقف على تكامل السياسة النقدية مع الإصلاح المالي والضريبي والكمركي، ومكافحة الفساد والتهريب، وتحسين بيئة الاستثمار.
رابعاً: الإصلاح المالي والبدائل المساندة
كان من الضروري أن يترافق تعديل سعر الصرف مع برنامج إصلاحي يخفف آثاره الاجتماعية ويعالج أسباب الاختلال الاقتصادي، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، وتطوير الزراعة والصناعة، وتوفير التمويل الميسر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح النظام المصرفي، وتنويع الإيرادات العامة، وتحسين كفاءة الإنفاق، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، كما ينبغي الحد من الاستيرادات الكمالية وغير الضرورية بأدوات تنظيمية وجمركية مدروسة، مع تجنب الإضرار بالمنافسة أو تكريس الاحتكار، واعتماد آليات دورية لتقييم آثار القرار الاقتصادية والاجتماعية، بما يسمح بمراجعة السياسات المصاحبة وفقاً للنتائج الفعلية، إن جوهر الإصلاح لا يكمن في زيادة الإيرادات فحسب.
بل في كيفية توظيفها، ومدى قدرتها على تحويل الاقتصاد من الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك إلى الإنتاج وتنويع مصادر الدخل.
خامساً: مقترح وطني لدعم الإنتاج والتنويع الاقتصادي، يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى مشروع وطني للإنتاج والتنويع الاقتصادي، يقوم على تخصيص جزء من الموارد الإضافية المتحققة فعلياً لتأسيس صندوق تنموي ذي إطار قانوني واضح، يُعنى بتمويل الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وينبغي أن يخضع الصندوق لرقابة مؤسسية مستقلة، مع نشر بياناته بصورة دورية، وتخصيص موارده وفق دراسات جدوى ومعايير إنتاجية قابلة للقياس، تشمل فرص العمل المستحدثة، ونسبة المكون المحلي، وحجم الصادرات، ومدى الإحلال محل الاستيراد، بعيداً عن المحاصصة وسوء تخصيص الموارد.
كما يمكن توجيه الأموال المستردة من قضايا الفساد، وفقاً للأطر القانونية النافذة، لدعم هذا المسار، ومع ذلك، لا بد من الفصل بين تمويل التنمية وبرامج الحماية الاجتماعية؛ فالمشروعات الإنتاجية تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، بينما تتطلب آثار ارتفاع الأسعار معالجة اجتماعية عاجلة.
سادساً: التقييم القانوني والمؤسسي
من الناحية القانونية والمؤسسية، ينبغي أن يستند التعامل مع سعر الصرف إلى توزيع واضح للاختصاصات والمسؤوليات بين البنك المركزي والحكومة والجهات الرقابية، مع تعزيز الشفافية والإفصاح عن المبررات الاقتصادية للقرارات وآثارها المتوقعة، ولا تعني استقلالية البنك المركزي إعفاء السياسة النقدية من المساءلة المؤسسية، كما لا ينبغي أن تتحول المساءلة إلى تدخل يخل باستقلال القرار النقدي. والمطلوب هو تحقيق التوازن بين الاستقلال المؤسسي والشفافية، وبين متطلبات الاستقرار النقدي وواجبات الدولة في حماية الفئات المتضررة وضمان عدالة السياسات العامة، كما تقتضي الإدارة الرشيدة للإصلاح الاقتصادي تقييم آثاره بصورة دورية، والتنسيق بين السياسة النقدية والسياسات المالية والإنتاجية والاجتماعية، بما يمنع معالجة الاختلالات المالية على حساب الاستقرار الاجتماعي وحده.
الخلاصة
إن تعديل سعر صرف الدولار قد تفرضه اعتبارات مالية ونقدية حقيقية، لكنه يرتب في الأجل القصير كلفة اجتماعية لا يجوز التقليل من شأنها، ولا سيما في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية لأصحاب الدخول المحدودة.
أما نجاحه على المدى الطويل، فلا يُقاس بزيادة الإيرادات المقومة بالدينار وحدها، بل بمدى إسهامه في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوفير فرص العمل، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع ثمار الإصلاح وأعبائه.
لذلك، لا تتمثل المعالجة في الدفاع المطلق عن القرار أو رفضه بصورة مطلقة، وإنما في إخضاعه لتقييم موضوعي مستمر، وربطه بإصلاحات مالية وإنتاجية ومؤسسية حقيقية، مقرونة بإجراءات فعالة لحماية المواطنين، فالإصلاح الاقتصادي لا يكتمل بمجرد تصحيح المؤشرات المالية والنقدية، بل يتحقق عندما تتحول موارده إلى تنمية مستدامة، وتُوزَّع أعباؤه بعدالة، وتنعكس نتائجه إيجاباً على حياة المواطنين.
مستشار قانوني مساعد
وزارة المالية / المصرف الزراعي التعاوني