الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدولة المستحيلة..  بين الجغرافيا والمذهب

← بواسطة azzaman

الدولة المستحيلة..  بين الجغرافيا والمذهب

أحمد فاتح محمد

 

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اليوم هو: هل يستطيع العراق أن يكون دولة طبيعية ذات سيادة، أم كتب عليه أن يظل أسير حسابات إقليمية وتجاذبات لا تخدم سوى مشاريع الهيمنة الخارجية؟ ليس سرا أن العراق يقف منذ عام 2003 في قلب مازق سيادي شائك لا علاقة له بالمناورات الدبلوماسية وحدها، بل بكيان الدولة وبنيتها ومستقبلها ككل. تختزل هذا المأزق معادلة واضحة لا تحتمل اللف والدوران: هناك جغرافيا عربية وخليجية تمثل قدر العراق الطبيعي وامتداده الاستراتيجي والاقتصادي، يقابل ذلك حضور إقليمي يستند إلى المشتركات التاريخية والمذهبية مع طهران، مما يفرض على بغداد تحدياً دائماً لتفادي الانجرار إلى تجاذبات خارجية لا تعكس أولويات مصالحها الوطنية المباشرة. المسألة هنا لا تتعلق بحرية المعتقد أو المشتركات الثقافية في ذاتها، بل بالخلل الذي ينشأ حين تتحول الروابط المذهبية إلى أداة للتأثير على بنية الدولة، ومزاحمة أجهزتها الرسمية في رسم سياساتها وقراراتها الاستراتيجية. فمن المتعذر على أي دولة أن تؤدي وظائفها بكفاءة واستقرار وهي تواجه ازدواجية في تحديد أولوياتها، بحيث تتقدم حسابات التموضع الإقليمي على مقتضيات السيادة والمصلحة الوطنية العليا للعراق. أثبتت التجارب القريبة والبعيدة أن الرهان على الأيديولوجيا سواء القومية او المذهبية لم يجلب للعراق سوى العزلة والخراب الاقتصادي، وتحويل بلد يمتلك أضخم الثروات والكفاءات إلى كيان عاجز يقتات على الأزمات المعيشية المتلاحقة. في الطرف الاخر تفرض الجغرافيا العربية نفسها كحقيقة مادية قاطعة لا يمكن القفز فوقها. 

قرار وطني

لاننسى يمثل المحيط العربي والخليجي الامتداد الجغرافي والحيوي الطبيعي للعراق، فملفات أمن الحدود  وتدفق الاستثمارات ومشاريع الربط الكهربائي وتنويع منافذ تصدير الطاقة، ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً بهذا الفضاء المشترك. لا تملك بغداد ترف التباعد عن هذا المحيط، بوصفه يوفر توازناً استراتيجياً ضرورياً يحمي استقلالية القرار الوطني، ويحول دون توظيف الساحة العراقية في سياق التجاذبات والتسويات الإقليمية. يمثل المحيط العربي والخليجي الامتداد الجغرافي والحيوي الطبيعي للعراق، فملفات تدفق الاستثمارات ومشاريع الربط الكهربائي وتنويع منافذ الطاقة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا الفضاء المشترك. لا تملك بغداد خيار التباعد عن هذا العمق الذي يوفر توازناً ضرورياً لحماية استقلال قرارها الوطني، تماماً كما لا يمكنها إغفال حقائق الجغرافيا والمصالح المشتركة مع الجارة إيران بما يربطهما من شريط حدودي طويل، وتداخل في ملفات الأمن والطاقة، وروابط تاريخية واجتماعية متجذرة. إن المعادلة الرشيدة لا تقوم على إقصاء طرف لحساب آخر، بل على التوفيق الواقعي بين هذين المسارين. بحيث تدار العلاقة مع طهران على أسس حسن الجوار، والاحترام المتبادل للسيادة، والتبادل التجاري المتكافئ كعلاقة دولة بدولة، بالتوازي مع تفعيل الشراكة الاستراتيجية والتنموية مع البيئة العربية والخليجية. تقتضي المصلحة الوطنية العليا أن تستعيد الدولة مركزية قرارها واحتكارها الحصري للسلطة والسلاح، بعيداً عن التوظيف المذهبي أو الاصطفاف القومي الذي يضر باستقرار الداخل. ومن شأن استعادة هذا التماسك الداخلي أن يمنح العراق ميزة نسبية استثنائية تؤهله لأن يكون وسيطاً دبلوماسياً واجتماعياً فاعلاً للالتقاء والتقارب المذهبي في المنطقة فالتنوع السكاني العراقي، وثقل مراكزه الدينية والروحية، وعمقه الحضاري، عناصر تجعل من بغداد مساحة طبيعية مؤهلة لردم الفجوات، وتفكيك الاحتقانات الطائفية بين العواصم الإقليمية، بدلاً من أن تكون ساحة لتغذيتها. إن الرهان الاستراتيجي اليوم يكمن في ترسيخ نموذج الدولة الدستورية المستقلة. دولة تتكامل اقتصادياً مع محيطها العربي، وتصون جواراً آمناً ومتوازناً مع إيران، وتوظف تنوعها الديموغرافي كجسر للدبلوماسية الهادئة وبناء الثقة الإقليمية، بما يحفظ أمن العراق ومصالح شعبه، ويخدم استقرار المنطقة بأسرها.

 


مشاهدات 50
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/09/26 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 12:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 31 الشهر 45549 الكلي 16578069
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير