الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العاصمة بغداد تختنق (2)

← بواسطة azzaman

العاصمة بغداد تختنق (2)

نظرة على مبادئ التخطيط الحضري

همام الشريفي

 

مقدمة:

‏ يمكن توصيف مدينة بغداد منذ ثلاثينات القرن الماضي بكونها شريط حضري طويل ممتد على ضفتي نهر دجلة واللذان يعرفان بجانبي الكرخ والرصافة. منذ ثورة عام 1958 جرى توسع كبير للمدينة باتجاه الأعماق الريفية الصحراوية على جهتي الشرق والغرب، وكان الدافع لهذا التوسع هو إنشاء أحياء سكنية جديدة.  بسبب تسطّح وانبساط الأرض، كان تخطيط الشوارع يعتمد على مبدأ الشوارع الخطية المتقاطعة والقطع السكنية التي تتراوح مساحاتها بين 200 إلى 1000 متر مربع.

‏إن هذا الأمر شكل عبئاً كبيراً على البنى التحتية للعاصمة بغداد بسبب الامتدادات الطويلة للشوارع مع تصاميم رصفها وتشجيرها إضافة إلى مد خطوط تجهيز الماء الصافي والكهرباء إلى مناطق نائية عن محطات التغذية الرئيسية. يضاف إلى ذلك تخصيص الميزانيات الكبيرة لإنشاء المدارس والمراكز الصحية والمحطات الأمنية لتكملة وظائف الأحياء السكنية الجديدة.

مواصفات التوسع الأفقي:

كانت هذه التوسعات السكنية ‏منظمة وممولة عن طريق جمعيات الإسكان التعاونية والنقابات المهنية.  بالمقابل لم يكن هناك تصميم نمطي معد مسبقا للوحدات السكنية، حيث كانت تبنى بتصاميم احادية ومستقلة استنادا إلى الميزانية الشخصية مع محاولات فردية متباينة لاقحام معالم معمارية جديدة قد تقترب او تبتعد عن التراث العراقي مما يزيد من عشوائية المشهد  وبعثرة واجهة الشارع الرئيسية.  لقد كانت معظم البيوت ترفع أرضياتها إلى مستويات عالية نسبيا تحسباً لأعمال الرصف والتبليط المستقبلية للشوارع غير المعبدة مع استشعار الخطر من ارتفاع منسوب مياه الأمطار في موسم الشتاء، مما أدى إلى انتشار ظاهرة «المنحدرات القاسية» عند مداخل تلك البيوت.  يمكن استثناء حي اليرموك الذي افتتح عام 1962 حيث امتاز بأنماط معمارية ذات قيمة هندسية وفنية متميزة مع ارتدادات متماثلة للمنشآت والتي شكلت واجهات متناسقة في شوارع الحي.  ان ظاهرة البناء الفردي هي نتاج طبيعي لضعف رأس المال الاستثماري وتشتته خارج نطاق الشركات وعدم وجود مقاولين متخصصين يمتلكون كفاءة مالية وادارة فنية تؤهلهم لتنفيذ مشاريع كبيرة للوحدات السكنية النمطية والتي تعتمد على مبادئ الاستدامة بيئياً وإنشائياً ومالياً بما يحقق ترشيداً في موارد البلد الطبيعية والبشرية وتدريبا لطاقات العمالة المحلية وزيادة في الأعمار الافتراضية للمنشآت.

دوافع ونتائج التوسع الأفقي:

‏هذا النمط من التوسع يستجيب لمجموعة من الشروط الاجتماعية التي كانت ولا تزال تحكم العائلة العراقية ذات التقاليد المحافظة والتي تميل بطبيعتها إلى الخصوصية العالية مع تساكن اجيال متعددة ومتعاقبة في دار كبيرة واحدة. استنادا إلى هذا المنطق، نجد أن البيوت السكنية بدأت تتوسع داخل حدود قطعها المملوكة استجابةً إلى العدد المتزايد لافراد العائلة.  ضمن هذا التوجه بدأت الحدائق الخضراء بالاندثار لصالح البناء بالكونكريت والطابوق، وانتقلت مواقف السيارات الخاصة من الكراجات الداخلية إلى جانبي الشارع العام، وتم تحميل خطوط الماء والكهرباء والمجاري سعات جديدة بسبب تضاعف عدد السكان في كل شارع او زقاق بصورة غير نظامية.  يضاف إلى ذلك فان الخدمات البلدية والصحية والتعليمية ضمن الدائرة الجغرافية المخدومة أصبحت تحت ضغط مضاعف.  من الجدير بالذكر ان التوزيع الأولي للقطع السكنية منذ قرابة نصف قرن كان قد أجهز فعليا على مساحات زراعية شاسعة، وحرم العاصمة من آلاف مؤلفة من أشجار النخيل والمشاتل الزراعية والتي تمثل رئة المدينة لتنقية الهواء وتقليل أسباب التلوث الجوي.

تقطيع الأراضي مقابل بناء الوحدات

لا شك ان المبادرة الحكومية الجديدة «وطن لكل مواطن» تشكل طفرة نوعية في الاستجابة لازمة السكن الحادة حيث جرى تخصيص قرابة 216 ألف قطعة في ست محافظات ضمن رقعات جغرافية تمتد بين 10-15 ألف دونم .

استنادا إلى خبرتي في ادارة المشاريع لأربعة عقود خلت وضمن رأيي التخصصي في مجال دراسات الجدوى والتصاميم الهندسية والاستثمارات العقارية في كل من جنوب شرق اسيا واوربا، لدي تحفظات كبيرة على اعادة مفهوم «التوسع الأفقي» والذي تعاني منه حاليا مدينة بغداد.  بغض النظر عن تحفظاتي على المشاريع الحديثة للأبراج السكنية داخل العاصمة، فإنها تعتبر طفرة تخطيطية موفقة للحد من التوسع الأفقي غير المنضبط.

ان الأموال المخصصة لتهيئة البنى التحتية والفوقية خدمة لهذه القطع السكنية (ضمن التوسع الأفقي) يمكن ان يجري استثمارها او مقاصتها في مجمعات سكنية عمودية التشكيل تحقق شرطين أساسيين أولهما التنظيم العمراني والخدمي المنضبط وثانيهما الأعمار الافتراضية الطويلة للمكونات البنائية.  بوجود هذين الشرطين، ستتقدم عجلة الاقتصاد حتما باتجاه إعداد مقاولين ذوي كفاءة مالية رصينة وإدارات هندسية متقدمة وهذا سيرافقه توفر لفرص العمل، وتطوير لمهارات الكوادر المحلية، وتفعيل للابتكار في الصناعات البنائية، وتبني لمبادئ الاستدامة في العزل الحراري والمواصفات الخضراء، وترشيد للطاقة المستهلكة، وتوظيف لاستخدامات الطاقة الشمسية، وتقنين لرحلات التنقل بين أطراف المدينة.

 توصيات:

ان كان لا بد من المضي باتجاه التوسع الأفقي في محيط مدينة بغداد بسبب القيود الاقتصادية والهندسية والتشريعية، فارجو ان نجعل من هذا المشروع نموذجيا لكي يقتدى به في بقية المحافظات.  في سبيل تحقيق ذلك الهدف أورد بعض الشروط التخطيطية الأساسية.  على الدولة المباشرة بإنشاء دائرة تخطيطية جديدة في هذه المناطق تنظم دخول المستثمرين العقاريين والتعاقد معهم في تنفيذ وحدات سكنية نمطية تعتمد أسلوب «التصميم النواة»، بحيث تكون ارتدادات الدور عن الطرق العامة متناظرة، والتوسعات المستقبلية لهذه الدور محددة ومدروسة منذ التخطيط الأساسي الأولي، ودراسة حركة وحجم مرور المركبات والسابلة بشكل يومي وموسمي، وتهيئة المساحات الخضراء العامة، وتحديد السعات المطلوبة للخدمات التعليمية والصحية والرياضية والأمنية ضمن الدائرة الجغرافية، ودراسة ايجاد فرص عمل قريبة لتقلل من رحلات المركبات اليومية ذهابا وإيابا، وترشيد عرض واجهات القطع السكنية إلى الحد الادنى، وتعويض ذلك الترشيد بتوفير مواقف للسيارات الخاصة ضمن عرض الشارع، وتقييد المرورباتجاه واحد في الشوارع الثانوية لتقليل مساحات الرصف، وتعيين ممرات لحركة الدرجات الهوائية بأمان دعما للرياضة، وغيرها من التفاصيل التخطيطية. بالنسبة للجانب الفني، يحب ان تراعي دائرة التخطيط الجديدة ضبط عمليات الإنشاء مع مقاولين أكفاء على ان تطابق أعمالهم «القوانين البنائية» الموافقة للمواصفات العالمية (البريطانية على سبيل المثال) بما يؤمن أعمار افتراضية طويلة للمنشآت، وتنظيم خزن المواد والمخلفات في مواقع نظامية، وتأمين سلامة العمالة مع تطوير المهارات، وادخال مواد انشائية محلية الصنع لتقليل البصمة الكاربونية، وترشيد برامج التنفيذ ضمن مراحل متعاقبة لتجنب وضع ضغوط تجارية على مواد الإسمنت والطابوق بما يفضي إلى تضخم مصطنع في الأسعار ويثقل كاهل المواطن. ارجو ان تلقى هذه المقترحات آذان صاغية من قبل صانعي القرار في الدولة العراقية.  ان هذه القرارت تؤثر على مستقبل الأجيال القادمة في عاصمتنا الحبيبة وفي بقية المحافظات على حد سواء.

 


مشاهدات 54
الكاتب همام الشريفي
أضيف 2026/09/26 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 12:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 30 الشهر 45548 الكلي 16578068
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير