المواطن الذي عضّ الكلب
أحمد جاسم الزبيدي
منذ مدة وأنا أحاول الهروب من الأخبار العراقية كما يهرب المدين من صاحب الدين. أفتح التلفزيون فأجد الفساد. أغيّر القناة فأجد السلاح المنفلت. أبحث عن برنامج للطبخ فأجد محللاً سياسياً يشرح مؤامرة عمرها ألف عام. أتنقل بين الفضائيات فأشعر أن العراق ليس دولة، بل نشرة أخبار طويلة تتخللها فواصل إعلانية.
والأطرف من ذلك أن بعض المحللين لا يتحدثون عن الواقع، بل عن واقع آخر لا يراه إلا هم. أحدهم يتهم الآخر بالعمالة، والثاني يرد عليه بالخيانة، والثالث يؤكد أن الاثنين أبرياء لأن العمالة الحقيقية موجودة عند شخص رابع لم يحضر الحلقة!
وبينما كنت أبحث عن أي خبر يرفع المعنويات، رن هاتفي. كان صديق الدراسة القديم كامل كريم، الذي هاجر إلى أستراليا قبل سنوات طويلة ونجا بنفسه من متابعة نشرات الأخبار العراقية اليومية.
استعدنا الذكريات، فضحكنا على أيام المدرسة، وتذكرت فجأة مسرحية أخرجتها على خشبة ثانويتنا. جمعنا يومها الرحلات المدرسية وواستعرنا من بيوتنا بعض الستائر ، وصنعنا مسرحاً متواضعاً قدمنا عليه تمثيلية "حكم قراقوش والكلب سوسو".
وكان كامل يؤدي دور المواطن المسكين الذي عضّه كلب أحد المتنفذين.
المشكلة أنني كنت أعتقد وقتها أننا نقدم عملاً كوميدياً. أما اليوم فأكتشف أننا كنا نقدم نشرة أخبار مستقبلية.
في التمثيلية عضّ كلب أحد أصحاب النفوذ رجلاً فقيراً. حمل الرجل ساقه المجروحة وذهب إلى المحكمة مطالباً بالإنصاف. جلس القاضي بوقاره المعروف، وبدأت الجلسة.
قال المشتكي:
سيدي القاضي، كلب هذا الرجل عضّني.
وقبل أن يكمل حديثه دخل الحاجب مسرعاً يحمل رسالة من الوالي.
قرأ القاضي الرسالة، وفجأة تغيرت ملامحه كما تتغير المواقف السياسية بعد منتصف الليل.
اعتدل في جلسته وقال:
بعد التدقيق والمداولة والتمحيص والتفحيص والتشخيص والتحليل الاستراتيجي العميق... توصلت المحكمة إلى نتيجة مهمة.
تهلل وجه المشتكي ظناً منه أن العدالة انتصرت.
لكن القاضي أكمل:
الكلب بريء.
صُعق الرجل وقال:
كيف بريء وقد عضّني؟
قال القاضي:
وهل فكرت بمشاعر الكلب؟
ماذا؟
نعم. أنت ظهرت أمامه بشكل مفاجئ وبشكلك هذا المرعب والمخيف والمسكين أصيب بالخوف.
لكنه هجم عليّ!
دفاع عن النفس ، وهذا حق مشروع
وأنا ماذا أفعل الآن؟
تشكر الله أن الكلب لم يرفع عليك دعوى قضائية.
ثم أضاف القاضي بعد تفكير قانوني عميق:
المحكمة تلزمك بتقديم اعتذار رسمي للكلب بسبب الأضرار النفسية التي تعرض لها أثناء عضّك.
في تلك اللحظة أدرك الفقير أن القضية انتهت، وأن ساقه ليست المشكلة، بل إنه لا يملك رسالة من الوالي.
واليوم، وبعد عشرات السنين، أشعر أن الكلب سوسو لم يمت. بل يبدو أنه أنجب أحفاداً وأبناء عمومة وأصهاراً، وانتشر نسله في كل مكان.
فالقاعدة نفسها ما زالت تعمل بكفاءة عالية:
إذا سرق الكبير فالمشكلة في الذي كشف السرقة.
وإذا تكلم المواطن فالمشكلة في كلامه.
وإذا اشتكى المظلوم فالمشكلة في شكواه.
أما إذا طالب أحدهم بتطبيق القانون، فسيظهر خبير دستوري ليشرح له أن القانون جميل جداً، لكن الظروف غير مناسبة لتطبيقه وحتى إشعار آخر.
والأغرب أن بعض المسؤولين لم يعودوا يكتفون بالتأثير في القرارات، بل يتحدثون عن ذلك أمام الكاميرات بكل ثقة، وكأنهم يعلنون حالة الطقس.
لا أحد يخفي شيئاً.
ولا أحد يخجل من شيء.
ولا أحد يتعب من تكرار الشعارات نفسها التي سمعناها منذ عقود.
وفي كل مرة يخرج مواطن بسيط مطالباً بحقه، تبدأ ماكينة التبريرات بالعمل، فيتحول من ضحية إلى متهم، ومن صاحب حق إلى مشبوه، ومن إنسان عضّه الكلب إلى مواطن شرير اعتدى على كرامة الكلب وهدد أمنه واستقراره.
لهذا لم أعد أستغرب شيئاً.
ففي بلاد العجائب السياسية، يمكن أن يخرج بيان رسمي يثبت أن المواطن هو الذي عضّ الكلب.
وقد تظهر لجنة تحقيق تؤكد أن الكلب كان في حالة دفاع مشروع عن النفس.
وقد يُمنح الكلب وسام الشجاعة والانضباط.
أما المواطن... فسيُطلب منه مراجعة الدوائر المختصة لإثبات أنه لم يكن ينوي استفزاز الكلب أثناء عملية العض.
وعندها فقط سنكتشف أن قراقوش لم يمت، وأن الكلب سوسو ما زال يتقاعد ويعود إلى الخدمة، بينما يبقى المواطن المسكين يشرح للجميع، جيلاً بعد جيل، أنه لم يعضّ الكلب... بل الكلب هو الذي عضّه.