الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النفط أم الدولة التي عرفت كيف تستثمره؟

بواسطة azzaman

نجاح دول الخليج العربي

النفط أم الدولة التي عرفت كيف تستثمره؟

أسامة أبو شعير

 

حين يُذكر النجاح التنموي في دول الخليج العربي، يبرز النفط بوصفه التفسير الأكثر حضوراً. لكن دولاً نفطية أخرى، مثل فنزويلا ونيجيريا، امتلكت موارد ضخمة لعقود، بينما بقيت نتائجها أقل استدامة من حجم ثرواتها. فالمورد يتيح الإمكانات، لكنه لا يضمن التنمية.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا امتلكت دول الخليج العربي؟ بل: ماذا فعلت بما امتلكت؟

لم يكن النفط هو النموذج، بل نقطة البداية. أما النموذج الحقيقي، على تفاوت مساراته، فهو قدرة الدولة على تحويل الثروة الناضبة إلى أصول وقدرات تمتد إلى ما بعدها. وهذا هو الفارق بين دولة تستهلك ثروتها وأخرى توظفها لإنتاج ثروات جديدة.

بدأ النجاح من رؤية تتجاوز الموازنة السنوية. فقد أدركت دول الخليج العربي تقلب أسعار النفط، وتسارع تحول الطاقة، وعجز القطاع العام عن توفير فرص العمل وحده. لذلك ظهرت رؤى طويلة المدى تربط الطموحات بالمشروعات ومؤشرات التنفيذ؛ أهميتها ليست في توقع المستقبل، بل في توجيه الدولة نحوه.

موقع جغرافي

وكان الاستثمار في البنية التحتية من أوضح تجليات ذلك. فالمطارات والموانئ والطرق والاتصالات لم تُبنَ كخدمات فقط، بل كمنصات للتجارة والسياحة والاستثمار. فالموقع الجغرافي لا يصبح ميزة اقتصادية من دون إدارة كفؤة وتشريعات مرنة وبيئة جاذبة.

وتظهر نتائج التنويع تدريجياً. ففي النصف الأول من 2025، نمت الأنشطة غير النفطية في السعودية بنحو 4.8 بالمئة، بينما توقع البنك الدولي نمواً للإمارات قدره 4.8بالمئة خلال العام نفسه. كما تجاوزت تغطية شبكات الجيل الخامس 90بالمئة في دول مجلس التعاون، موفرة أساساً للاقتصاد الرقمي.وتمثل الصناديق السيادية ركناً أساسياً. فقد نقلت الثروة من باطن الأرض إلى محافظ عالمية. وبلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة السعودي نحو 913 مليار دولار في نهاية 2024، وأصول «مبادلة» الإماراتية نحو 385 ملياراً في نهاية 2025، موزعة على أكثر من 80 دولة. وقيمتها ليست مالية فقط؛ فهي تتيح الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق والشركات الكبرى. وهكذا لم يعد الصندوق السيادي خزينة للفوائض، بل أداة لاكتساب المعرفة والتأثير وتنويع مصادر القوة.

ويمثل الذكاء الاصطناعي الجيل الجديد من هذه الاستراتيجية. ففي الإمارات، دخلت شركة MGX في شراكة مع مايكروسوفت وبلاك روك وشركاء عالميين تستهدف جمع 30 مليار دولار، مع إمكانية الوصول إلى 100 مليار بتمويل الديون، للاستثمار في مراكز البيانات والطاقة والبنية الأساسية للذكاء الاصطناعي. وفي قطر، أُعلنت شراكة بقيمة 20 مليار دولار بين جهاز قطر للاستثمار وبروكفيلد لتطوير هذه البنية داخل قطر وفي أسواق دولية. كما جعلت السعودية الذكاء الاصطناعي والحوسبة جزءاً من استراتيجيتها لقطاعات جديدة.

ولمتأتِ هذه الشراكات من المال وحده، بل من استثمار دول الخليج العربي في رأس المال الجيوسياسي: الاستقرار النسبي، والموقع الرابط بين ثلاث قارات، والعلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند. والأدق من وصف هذه السياسة بالحياد اعتبارها قدرة على الموازنة والانفتاح وتنويع الشراكات، مما جعل المنطقة شريكاً مهماً للشرق والغرب في عالم متزايد الاستقطاب.

لكن شراء التكنولوجيا لا يكفي. لذلك أصبح الاستثمار في التربية والتعليم ورأس المال البشري محوراً في الرؤى الخليجية. وربطت رؤية السعودية 2030 القدرات البشرية بإصلاح التعليم والتدريب والمهارات الرقمية، فيما تستثمر الإمارات وقطر وعُمان في الجامعات والبحث والابتكار. فلا اقتصاد رقمياً من دون معلمين أكفاء وباحثين ومهندسين ورواد أعمال يحولون المعرفة إلى قيمة.

ويحتاج التحول إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي القائم جزئياً على التوظيف الحكومي والدعم. فاقتصاد ما بعد النفط يحتاج إلى مواطن يعمل ويبتكر في القطاع الخاص. ومن هنا جاءت السعودة والإماراتية وسياسات التوطين وربط التعليم بسوق العمل. لكن الانتقال من انتظار الريع إلى إنتاج القيمة يتطلب وظائف منتجة وأجوراً عادلة وحماية اجتماعية.

ولم يكن مسار التغيير خالياً من المقاومة. فقد اقترنت رؤية السعودية 2030 بتحولات اجتماعية، من توسيع مشاركة المرأة وقيادتها للسيارة إلى إعادة فتح دور السينما وتطوير السياحة والترفيه. ولم تكن هذه إجراءات منفصلة عن الاقتصاد، بل جزءاً من إعادة تشكيل سوق العمل ونمط الحياة وجاذبية المدن، مع الموازنة بين سرعة الإصلاح وقدرة المجتمع على استيعابه.

خدمات لوجستية

كما واجهت دول الخليج العربي منافسة على الاستثمار والسياحة والتمويل والمواهب، فحولتها إلى حافز للتخصص: بنت الإمارات موقعاً عالمياً في الطيران والخدمات اللوجستية والتمويل والتكنولوجيا، وعززت قطر مكانتها في الغاز والطيران والرياضة والإعلام، وحافظت البحرين على دورها في الخدمات المالية، بينما وسعت السعودية نشاطها في السياحة والترفيه والصناعات الجديدة. فلم يكن النجاح نتيجة غياب المنافسة، بل نتيجة الاستجابة لها.

ومع ذلك، يبقى الحكم بالنتائج. فجودة التعليم لا تُقاس بعدد المبادرات والجامعات، بل بجودة التعلم والبحث والإنتاجية. ولا يُقاس نجاح الاقتصاد الرقمي بحجم الإنفاق، بل بقدرته على إنتاج شركات وطنية ومعرفة ووظائف نوعية. فالاختبار الحاسم هو مدى تحويل رأس المال المالي والتكنولوجيا المستوردة إلى رأس مال بشري ومعرفي محلي مستدام.

وهنا تبرز الحالة العراقية. فالعراق يمتلك النفط والموقع ورأس المال البشري، وكان يستطيع تحويل عائداته إلى صندوق سيادي وكهرباء مستقرة وموانئ وتعليم نوعي. لكنه وسّع التوظيف الحكومي حتى أصبح جزءاً من عقد اجتماعي يصعب تمويله، بينما بقي القطاع الخاص ضعيفاً والمشروعات عرضة للتعثر. ولا يحتاج العراق إلى نسخ دبي أو الرياض أو الدوحة، بل إلى استيعاب المبادئ: تحويل الإيرادات المؤقتة إلى أصول دائمة، وحماية المشروعات الاستراتيجية من التقلب السياسي، واستقطاب الخبرة مع نقل المعرفة، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن والسوق. كما يستطيع جذب الاستثمارات الخليجية إلى ميناء الفاو والطاقة والاتصالات ومراكز البيانات والصناعات، إذا وفر القانون المستقر والمؤسسة المسؤولة والمشروع القابل للتنفيذ.

فالدرس الذي تقدمه دول الخليج العربي ليس أن الثروة تصنع التنمية، بل أن الدولة القادرة تستطيع تحويلها إلى مؤسسات وأصول ومعرفة. ولم تنجح هذه الدول لأنها امتلكت كل الإجابات، بل لأنها حوّلت تحدياتها إلى خطط، وخططها إلى استثمارات، واستثماراتها إلى قدرات للمستقبل.

وعندها لا يعود السؤال: ماذا فعل النفط بالخليج؟ بل: ماذا فعل الخليج بالنفط؟

 


مشاهدات 84
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/09/07 - 10:15 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 11:26 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1693 الشهر 11810 الكلي 16544330
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير