الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطبيب والكلبة

← بواسطة azzaman

قصة قصيرة

الطبيب والكلبة

كاظم الحلاق

 

تَعَوّدَ الطبيب الموهوب "مايكل كاسكي" على التنزّه في المنطقة الواقعة إلى الوراء من المستشفى الذي يعمل فيه جراحاً للقلب. كان في الخمسين من العمر، متزوجاً من امرأة جميلة، باهرة الحسن، تصغره بثماني سنين؛ ذات جسد مترع بالحيوية وشعر كستنائي طويل ينسدل على كتفيها الصغيرتين، متموجاً كأنه بتلات وردة تشيع زهواً، ناشرة أريج عطرها بحرية وسرور. كان لهما ابنتان جذابتان؛ الكبرى في العاشرة من العمر والأخرى في الثامنة.

 أثناء دراسته في كلية الطب أغدق مايكل عناية فائقة على يديه القويتين الرشيقتين، حالماً بأنهما ستكونان بالغتي الأهمية في سنوات عمله المقبلة. كانت يداه حقاً ماهرتين جداً بأصابعهما الطويلة وبشرتهما المشدودة المغطاة بالشعر الأسود الناعم.

 وبعد أن تخرج عام 1986 وهو في الثامنة والعشرين وأخذ يجري العمليات الكبرى أصبحت يداه حاذقتين مرنتين كأنهما امتداد لقواه العقلية المتألقة. كانت سعادته بممارسة عمله تتخطى حدود حياته الشخصية، ممتزجة بعوالم الناس الذين لامست يداه الخبيرتان قلوبهم النابضة.

بينما درج أغلب الأطباء على إجراء عملية واحدة أو اثنتين في اليوم على أحسن حال، كان مايكل يجري ثلاث عمليات أو حتّى أربعاً. لقد أنقذت يداه مئات أو آلافاً من حيوات البشر كانوا بأوضاع صحية محرجة، بل أقرب الى الاحتضار، إلا أنه أعادهم إلى الحياة وراحوا يستمتعون بمباهج وفرص العيش ثانية.

يحرص مايكل على تناول غداءه بين الواحدة والثانية ظهراً؛ يغادر مبنى المستشفى مبتعداً عن رائحة الدم والمعقمات والممرضين والممرضات وأجواء الردهات الكئيبة. كان ينظر إلى استراحة الغداء باعتبارها وقتاً خاصاً جداً يمنحه هدية إلى نفسه؛ يمشي في حماس باتجاه المطعم، ناقلاً خطواته في الدروب المرصوفة بالآجر الأحمر، ناظراً إلى الأشجار التي تتناثر في المكان بشكل ينم عن الامتنان والرضا. وفيما هو يواصل السير يكف عن الإحساس بجسده، مولياً انتباهه إلى أطياف الخضرة المتوهجة للصنوبر والنخيل المكسيكي والعراقي والجوز واليوكالبتوس والفايكس والبولو فيردا والأزهار والأحراج التي تكتنف المكان الذي يحث خطواته فيه. يتناول غداءه في مطعم صغير يقع في بلازا فارهة ذات متاجر عديدة لا تبعد أكثر من عشرين دقيقة عن المستشفى. ثم يعود في الطريق عينه.

 

وفيما هو يغرق في تلك النشوة التي يغدقها عليه جمال الطبيعة الفريد، يصيخ السمع في الوقت ذاته جيداً إلى شقشقة الطيور وهديل الفواخت والحمام، التي تتراءى له كأنها هتافات ترحب به وبعمله الإنساني البديع، فيعتريه الحبور، كما لو أن جسده وعقله قد تحللا إلى عناصرهما الأولية، ليغدو وجوده نفسه متخللاً الأشجار والزهور والشوارع والطيور والسماء والغيوم والهواء والمباني التي تحيط به، علاوة على الناس الذين أنقذ حيواتهم.

ذات يوم من شهر مارس حيث الهواء مازال عذباً منعشاً كان لديه عملية واحدة في جدول عمله؛ لرجل ضخم الجسم يدعى "دانيال" يعمل مهندساً في ولاية ميزوري وقدم الى مدينة فينيكس/ أريزونا، ناشداً شهرة وكفاءة الطبيب. كانت عملية جدّ ناجحة فرغ منها عند انتصاف النهار. ثم أزال القفازات الملطخة بالدم وخطا نحو حمام خاص به ليغتسل ويرتدي ثيابه العادية ويسرح شعره البني المتساقط الذي يفرقه من موضع قريب من الإذن ليغطي به الصلع في الأعلى ويغادر وهو يشعر بانتشاء لذيذ. كانت الشمس مشرقة رائعة رغم الغيوم البيض التي تتناثر مبقعة زرقة السماء العميقة.

عبر طريق التنزه المألوف تتوزع مجموعة من المباني؛ كراج واسع للسيارات من عدة طوابق إلى جهة اليسار، نزل للمسافرين ذو طابقين من الآجر الأحمر عادة ما يقيم فيه ذوو المرضى القادمين من ولايات بعيدة، وعيادة ضخمة باختصاصات متعددة للأطفال  يجتمع عند طرفها أحياناً حراس المباني القريبة – نساء ورجال- وهم يتنقلون في الأرجاء بعرباتهم الصغيرة المكشوفة السقوف ذات العجلات الثلاث، كان مايكل  يتبادل التحيات بود معهم حينما يراهم يستريحون في العربات أو يخطون في المكان مدخنين السجائر أو يأكلون السندويشات، أو يلتقطون الصور لأجزاء البناية للتأكد من سلامتها. في إحدى المرات تبادلوا الكلام معه وعرفوا بأنه طبيب جراح يعمل في المستشفى القريب، فشرعوا يحيّونه بمحبّة واحترام.

إلى الأمام من هذه المباني ترتمي ساحة وسيعة لوقوف السيارات، وفي الجهة المقابلة من الشارع العريض الذي يحدها تطل بيوت سكنية قديمة ذات طابق واحد بحدائق أمامية وجانبية يعيش فيها مزيج من عوائل مكسيكية وأميركية. في أحد تلك البيوت كانت ثمة أرملة تعيش مع كلبة ضخمة الجسم من فصيلة " بلاك لاب" تدعى "نايت" أي ليلة باللغة الإنكليزية. كانت الأرملة قد امتلكتها وهي جروة صغيرة بعمر شهر. عاشت الكلبة نايت مع مالكتها عشر سنوات سويّة وشاختا معاً أيضاً. كانت الأرملة مكسيكية رحيمة القلب لا تؤمن بإزالة الأعضاء الأنثوية للحيوانات كما بقية المجتمع الأميركي، لهذا أبقت كلبتها طليقة دون أن تخضعها لعملية تقلل من عدوانيتها المحتملة. عاشت الكلبة معظم أوقات حياتها منعزلة وتعاني من الوحدة، مُستبعدةً عن معظم الأنشطة التي تخصص للكلاب؛ من آلاعيب في المتنزهات أو القاعات الخاصة بسبب شراستها وعدوانيتها عند الاختلاط بالكلاب الأخرى.

في أحد الأيام حاولت المرأة أن تخفف وتكسر من وحدة الكلبة فجاءت بكلب صغير ذي فراء أبيض كالثلج من نوع" بوميرنان". غير أن الكلبة استقبلته بصفعة على الوجه ونباح عنيف هاجمة عليه، كما لو أنها تريد تمزيقه أرباً. لكن المرأة فرقتهما. اعتبرت "نايت" تصرف مالكتها إهانة أُنزلت بساحتها لضآلة حجمه وشكله اللطيف المدلل كأنه أقرب إلى دمية منه إلى كائن حي جدير برفقتها. راحت تتطلع بازدراء وكراهية إلى المخلوق الذي أقتحم خلوتها. ذات مرة أرادت المرأة تدربيهما في حديقة بيتها لكي يتكيفا على العيش معاً ممسكة بالرسنين المرتبطين بطوقين يحيطان رقبتيهما. إلا أن الأمر لم يمر بسلام. أفلتت "نايت" رأسها من الطوق وهربت من البيت غير راغبة في العودة إليه أبداً.

خرجت "نايت" إلى الشوارع غاضبة كأنها تريد الانتقام من الناس الذين أبعدوها عن مشاعرهم الحميمة وأوقاتهم الطيّبة. راحت تتسكع خلف نوافذ الأبنية الوطيئة في المكان الذي خرج مايكل يتنزه فيه، متلفتة بخوف من بعض المارة. ثم جلست في ظل إحدى الأشجار مترقبة لاهثة بلسانها الطويل البارز من شدقيها الواسعين حيث تنتشر عشرات من السيارات الجاثمة بألوانها وأحجامها المختلفة في الساحة المعبدة بالأسفلت الأسود النظيف.

في تلك اللحظة كان مايكل يمضي ساهماً في مشيته، مستغرقاً في عوالمه الداخلية مقترباً منها دون أن ينتبه إليها. ما إن رأته حتى هاجمته في الحال. في البدء شرعت بنباح شديد أربكه وجعله متسمراً حائراً مضطرباً في مكانه، كما لو أنها انبثقت من اللامكان. أراد أن يرفسها لكنها مدت إحدى قوائمهما وغرزت مخلباً عميقاً في فخذه ومزقته، وعندما مد ذراعه محاولا ًإبعادها أو إخافتها، عضت ظهر يده بعنف؛ مكشرة وغارزة أنيابها في اللحم الطري لليد اليمنى التي كان يعتني بها جيداً ويستخدمها في الجراحة، لتمزق أعصابها وشرايينها بشكل عميق يمكن رؤية العظام خلاله. في تلك اللحظات الفاجعة أدرك الجراح مايكل أنه خسر شيئاً غالياً، عضواً لا يمكن تعويضه بأي ثمن كان. تحطم شيء جوهري في أعماقه بشكل بالغ، شاعراً بحرقة ومرارة الفقدان.

كان أحد الحراس يجلس في عربته ويتناول طعامه؛ شاب أسود بجسم رياضي. عندما رأى الكلبة تهاجم الطبيب ونباحها يتعالى في فضاء الظهيرة، متراجعة خطوات، ثم قافزة ثانية على جسد الطبيب ترك ما بيده وهب الى مساعدة الجراح. أخذ يصرخ ناهراً الكلبة:" اذهبي بعيداً، اذهبي بعيداً.. اذهبي بعيداً.."، لكنها لم تنثنِ ولم تذعن فأرادت مهاجمته هو أيضاً. عندئذ مد يده إلى حزامه وأخرج مسدسه وفتح النار إلى الأعلى، فتراجعت الكلبة قليلاً، لكنها استمرت في النباح محاولة الهجوم كرة ثانية. ففتح النار مرة أخرى، فهربت خائفة تركض عائدة إلى منزل سيدتها.

أجلس الحارس الطبيب على مصطبة بينما هو ينزف، واتصل بسيارة الإسعاف. لم يستوعب الطبيب ما وقع له. بدت الكلبة بحجمها الضخم وفرائها الأسود والبقعة البيضاء على بوزها وعينيها السوداوين المتلامعتين الغاضبتين وأذنيها الطويلتين المتهدلتين كأنها انبثقت من عتمة كابوس متكرر رآه مايكل في منامه آخر مرة قبل ثلاثة أيام دون أن يولي أهمية جليّة لمغزاه؛ كان يرى نفسه يسير وحيداً بمحاذاة شاطئ بحري بهي المنظر والأمواج المزبدة تتكسر عند قدميه. فجأة يظهر له كلب قبيح الشكل منبثقاً من مكان مجهول ويشرع في مطاردته؛ يركض ويركض بأقصى ما يمكنه لكن الكلب لم يدعه لحاله، ثم تظهر مدرجات عالية جداً إلى يساره فيسارع الى ارتقائها لاهثاً، عندئذ يتريث الكلب في الأسفل دون أن يواصل الصعود، فيستيقظ مايكل مرعوباً، تساوره مشاعر كئيبة ثقيلة الوطأة تجثم على صدره.

قدمت سيارة الإسعاف ونقلت الطبيب إلى المستشفى الذي يعمل فيه. قلبت الكلبة مجرى حياة مايكل وسلبته أعز ما يملك؛ يده اليمنى التي كان يجري بها العمليات حيث تبدو أمامها اليد اليسرى لا قيمة حقيقية لها. دمرت العاهة التي أحدثتها الكلبة مهارته الرائعة مرة وإلى الأبد. فقد حالت بينه وبين إطباق يده لاستخدامها في تناول الطعام إلا بعد مرور وقت طويل. ضعفت الأعصاب التي كانت تشد أنسجتها فبدت أقرب إلى التقوض والانتهاء منها إلى النضارة المشحونة بالحيوية والرشاقة السابقتين.

 

قال مايكل في نفسه، محاولاً فك رموز القدر من غير جدوى بينما هو يرقد مشدوهاً على سرير المستشفى: " واأسفاه، ها هي الحياة التي ضحكت ملّ شدقيها وتهلل وجهها فرحاً لي وآلاف من مرضاي، تنقلب بغتة وتقطّب حاجبيها دون جريرة مني!". ثم راح يمنّي نفسه وهو يتقلب في الفراش:" إن أوقات السرور والأسى يحدثان بالتناوب، ولقد ذقت المزيد من الكؤوس الطافحة بالسعادة، وإن مياه نهر النعيم التي احتجبت هنا من المؤكد ستهمي في مكان آخر..". وبالرغم من كل ذلك، ظل مايكل يتذكر زهرة الحياة التي عطّرت ماضيه كله، واثقاً من أنها ستمده بالآمال المستقبلية وهو يستعرض الحلول المتعلقة بموهبة يديه واحداً بعد الآخر؛ ولكي يطمئن نفسه أكثر راح يردد على نحو مبالغ فيه: "وحتى لو أن اليد قضي عليها تماماً فإن مشاعر الابتهاج المجيد هي فيما وراء الجسد المادي بأسره، وجميع التعلّقات الأرضية. إنها مرتبطة بالنْفس، وأن تجربة اليوم كانت مقدرة قبل وقوعها على نحو لا سبيل الخلاص منه، مثلما كانت الحيوات التي أنقذتها من عماء الظلمة". ثم جنح الى النوم والراحة.

كان الحارس الذي فتح النار في الفضاء القريب من الكلبة يعرف بيت مالكتها الأرملة التي كثيراً ما لاقاها برفقة الكلبة "نايت" متريثة أحياناً على النجيل وهي تمسك بيدها كيساً لتجمع به فضلات الكلبة وتتخلص منه أخيراً في حاوية النفايات. اتصل بالشرطة وأبلغهم بما جرى، معرّفاً إياهم بمنزل المرأة.

بعد وقت قصير جاء رجلان بسيارة ذات قفص حديد مشبك، واقتربا من الكلبة المقعية في الحديقة محاولين إمساكها لكنها نهضت وأخذت تنبح بأسى وغضب ومرارة. في البدء لم تدعهم أن يدنوا منها بينما هي تتراجع الى الوراء رافعة ذيلها المنتصب بقوة في الهواء، نابحة في عنف وجرأة. لكن المالكة ذهبت الى المطبخ وجاءت بقطعة لحم وقدمتها لها وأخذت تربت على ظهرها. كانت تثق بصاحبتها وتحبها فاستسلمت لها.

 أمسك بها الشرطيان المرتديان قفازات سميكة وخرجا بها إلى الشارع ووضعاها في سيارتهما بغية أخذها إلى مركز السيطرة على الحيوانات، لكي يبتوا في مصيرها لاحقاً بعد أن يتأكدوا من الفحوصات التي ستجرى على الطبيب لمعرفة إن كانت مصابة بالسعار أم لا.

وبينما كان أحد الرجلين يشغل محرك السيارة التفتت الكلبة بعينين دامعتين محاولة إخراج رأسها من مربعات القفص الصغيرة، كأنها تريد أن تلقي نظرة وداع أخيرة على صاحبتها الواقفة في مقدمة البيت التي شاركتها العيش فيه منذ إن كانت جروة صغيرة.

 بعد انطلاق السيارة انبعث نباح "نايت": على شكل موجة متقطعة من الصرخات المتأسية المبثوثة فوق بيوت المدينة التي منعت اختلاطها بالكلاب، لتتلاشى نحو الأعالي؛ هضيمة، متخفيّة في رحاب الكون.

 

*كاتب عراقي مقيم في أميركا

 


مشاهدات 79
الكاتب كاظم الحلاق
أضيف 2026/11/08 - 1:16 PM
آخر تحديث 2026/11/09 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 118 الشهر 17279 الكلي 16667813
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير