الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مئة ألف شهادة بلا بوصلة: أزمة الابتعاث الإيراني 

بواسطة azzaman

مئة ألف شهادة بلا بوصلة: أزمة الابتعاث الإيراني 

رشيد العجيل 

 

يشكل الطلبة العراقيون في إيران الذين يتراوح عددهم بين 75 و100 ألف طالب موزعين على 62 جامعة، أكبر جالية طلابية أجنبية في البلاد. هذا الرقم الضخم، الذي يتزايد سنوياً بفعل القرب الجغرافي وانخفاض الكلفة وسهولة الاعتراف الأكاديمي بالشهادات في العراق، يجعل من قضية سلامتهم وحمايتهم شأناً يفوق كونه حادثة عابرة، ليتحول إلى ملف يستحق مساءلة جدية للجهات الرسمية المعنية.

ما جرى في جامعة سمنان، من اعتداء جماعي شارك فيه نحو 150 إيرانياً على طلبة عراقيين داخل أقسامهم الداخلية، ثم تحوله إلى حصار وهجمات متكررة، ليس حادثاً معزولاً. فقد سبقته اعتداءات مماثلة في جامعة “بوعلي سينا” بهمدان قبل أقل من عام. تكرار هذا النمط من العنف الجماعي، بصرف النظر عن أسبابه المباشرة، يكشف عن هشاشة بيئة حقيقية يعيشها الطلبة العراقيون، وعن غياب آليات وقائية قادرة على منع تصاعد التوترات اليومية إلى مواجهات جسدية واسعة.

لكن ما يتجاوز خطورة الحوادث الأمنية هو السؤال الأعمق حول جدوى هذا الابتعاث أصلاً. يفترض أن تكون برامج الدراسة في الخارج رافعة استراتيجية لتطوير الكفاءات العراقية في التخصصات التي تحتاجها البلاد فعلاً: الطب، الهندسة، التكنولوجيا، والعلوم التطبيقية النادرة. لكن الواقع الحالي لابتعاث عشرات، بل مئات الآلاف من الطلبة إلى الجامعات الإيرانية، يكشف عن غياب شبه كامل لهذه الرؤية، ويطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ما الذي يكسبه العراق فعلياً من هذا الكم الهائل من الخريجين؟

فالمشكلة لا تكمن في العدد بحد ذاته، بل في غياب أي تخطيط لمعرفة أين سيذهب هؤلاء الخريجون، وما التخصصات التي يحملونها، وهل تخدم فعلاً حاجة السوق العراقي أم أنها مجرد شهادات إضافية لا تجد لها موقعاً حقيقياً في الاقتصاد أو الإدارة. واللافت أن نسبة كبيرة من هؤلاء الطلبة هم أصلاً موظفون حكوميون يسعون للحصول على شهادات عليا بهدف وحيد هو رفع تصنيفهم الوظيفي وزيادة رواتبهم، وليس اكتساب خبرة أو معرفة تنعكس على أداء مؤسساتهم. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الابتعاث لم يعد أداة تنموية، بل تحول إلى مسار إداري روتيني يستنزف الوقت والموارد دون عائد حقيقي على الإنتاجية أو جودة الخدمات الحكومية. يضاف إلى ذلك أن كثيراً من الجامعات الإيرانية تفتقر لقيود أكاديمية صارمة، ما يجعلها خياراً “سهلاً” لطلبة يجمعون بين وظيفة رسمية داخل العراق ودراسة شكلية في الخارج، أكثر من كونها بيئة تنافسية تنتج كفاءات حقيقية.

هذا النمط من الابتعاث غير الموجّه يحمل خطورة تراكمية على المدى البعيد: مجتمع يمتلئ بحملة شهادات عليا في تخصصات قد لا تتقاطع مع أولويات التنمية، بينما تبقى قطاعات حيوية أخرى تعاني نقصاً حاداً في الكفاءات المتخصصة. كما أن اعتماد الأولوية في المنح الحكومية على القرب السياسي من الجهات الإيرانية، بدل معايير الجودة الأكاديمية والحاجة الفعلية للسوق، يكرّس منطقاً يضع الاعتبارات السياسية فوق المصلحة التنموية طويلة الأمد. والأخطر أن هذا الكم الهائل من الخريجين يعود إلى المجتمع العراقي دون آلية واضحة لتقييم مخرجاته: لا معايير لمطابقة الشهادات مع احتياجات سوق العمل، ولا متابعة لمسار هؤلاء الخريجين بعد تخرجهم، ولا حتى قياس حقيقي لجودة التعليم الذي تلقوه مقارنة ببدائل أخرى.

الخلاصة أن ملف الابتعاث إلى إيران بات يحمل وجهين لخطر واحد: تهديد مباشر لسلامة عشرات الآلاف من الطلبة تكشفه الاعتداءات المتكررة، وتهديد أعمق وأبطأ يتمثل في ضخ مئات الآلاف من الخريجين سنوياً إلى المجتمع العراقي دون بوصلة تنموية واضحة. لذلك، فإن إعادة النظر الجذرية في سياسات الابتعاث لم تعد خياراً بل ضرورة ملحة، تبدأ بربط المنح الدراسية بخطط تنموية تحدد التخصصات ذات الأولوية، ومراجعة معايير الاعتراف بالجامعات الأجنبية بما يتجاوز الاعتبارات السياسية، وتوفير حماية قنصلية فعلية للطلبة، ووضع آليات لمتابعة مخرجات الابتعاث وقياس أثرها الحقيقي على سوق العمل والمؤسسات العراقية. فبدون هذه الخطوات، يبقى الابتعاث استثماراً ضخماً في الأعداد لا في المستقبل، ويتحول ما يفترض أن يكون رافعة للتنمية إلى عبء إضافي يثقل كاهل بلد يحتاج إلى كفاءات موجّهة أكثر من حاجته إلى شهادات إضافية.​​​​​​​​​

 

 


مشاهدات 14
الكاتب رشيد العجيل 
أضيف 2026/09/14 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 24261 الكلي 16556781
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير