سِر البِناء والإصلاح
مزاحم إدريس عاشور الحمداني
يقول الله تعالى:( وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58 [الأحزاب: 58]
من اللحظة الأولى التي دعا فيها الرَّسول عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد بدعوته إلى الّله تعالى حَرص على إيجاد المجتمع الفاضل - المجتمع المتماسك، ولن يكون المجتمع فاضلاً إلا إذا سَمت أخلاق أفراده، فرعُوا حقوق الآخرين وشُعورهم، وأمسكوا ألسنتنم عن الطعن والسبِ واللعنِ والخوض في أعراض النّاس، وأحبوا لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم.
فالمؤمن الحق في نَظر الإسلام مَن آمن بالله ثم استقام على الجادة على الطريق المستقيم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( قل آمنت ثم استقم)[ رواه مسلم].
والاستقامة الحقة أن يشتغل الإنسان بعيوبه عن عيوب النّاس، والاستقامة في المؤمن ألا يَحقِد أو يَحسِد وأن يُحاول إصلاح نفسه أولاً، وألّا يتغلب هواهُ عليه فيفسد الهوى نفسه، ويجعل قلبه أشد سواداً من الليل البهيم.
وإذا فسدت النّفس وأظلمَ القلب أساء الإنسان إلى نفسه فعاش في تعاسةٍ، وعاش بالحقد على الأفراد والجماعات، ثم انقلب في تصرفاته إلى إنسان كريه حقود ظالم يسيء إلى النّاس بلسانه فينفح فيه الشيطان فيتمادى..ثم يلتفت فيجد النّاس قد انصرفوا من حوله وقد تجنبوه لأفعاله ولأقواله، فيعيش منفرداً ويصاب بخَبال الحقد والحسد شقياً بانصياعه لهواه.
وما أجمل قول الإمام البوصيري رحمة الله عليه:
وخالف النّفس والشيطان واعصِهما...
وإن هما محضّاك النّصح فاتهمِ...
واحذر هواها وحاذر أن توليه...
وإن هما محضّاك النّصح فاتهمِ...
والنّفس كالطفل إن تهمله شبَّ على...
حُبِ الرِضاع وأن تفطمه ينفطمِ...
بعض النّاس لا هم له إلا أن يتتبع عورات الخلق مضخماً لها متحدثاً بالباطل فيهم والزور عنهم.
يعطي نفسه حق الاستعلاء عليهم معيراً لهم مشنعاً عليهم،حديثه دائماً أعراض النّاس وهدفه تعريتهم من الفضائل، وغايته الشر، لا يحلو له في الدنيا إلا الإساءة إلى الآخرين، فقد الإيمان ففقد الحياء.
وبعض النّاس إيمانهم بالله وبرسوله وبالفضائل باللسان فقط، يتحدثون بالآية وبالحديث، لا يتجاوز إيمانهم الأفواه، أمّا أعمالهم فيبرأ منها رب السماء، وأما علاقاتهم بالنّاس فعلاقات مصلحية نفعية مادية دنيوية (فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ 58 [التوبة: 58] يحسبون أنّ الخير فيما يفعلون، وأنّ النّاس تحبهم كما يزعمون، وعَلِم الله أنّهم محتقرون.
لا يُعصم الإنسان من الشر إلا الإيمان بالله ورسوله، ولا يمنعه من الزيغ والزلل إلا العقيدة السليمة، فإذا فقد الإنسان الإيمان والعقيدة صار لعبةً في يد الشيطان والهوى فتحركت أحقاده وسمومه.
من أجل ذلك عَمِل رسول الله عليه الصلاة والسلام على تركيز الإيمان في النفوس، والعقيدة في القلوب حتى لا ينحرف الفرد فيسوط المجتمع بلسانه ويناوله بالزُور والبهتان، وما من انحرافٍ في النّفس إلا سببه فَقر القلب من الإيمان وإجدابه من العقيدة السليمة وخلو النّفس من الفضائل.
وعقوبة الله لمثل هذا الإنسان آتيه لا ريب فيها، وأما إذا اشتغلنا بإصلاح عيوبنا وأحببنا لغيرنا ما نحب لأنفسنا، وإذا أردنا الخير لأنفسنا والزحزحة عن النّار والقرب من الجنّة فلنصلح عقيدتنا أولاً، ولِنظن بالنّاس الظنّ الحسن لكي نرتفع كأفراد وليرتفع المجتمع بعد ذلك نحو السُمُوِ والصلاح.