الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدبلوماسية السرّية وسِرّية الدبلوماسية

بواسطة azzaman

الدبلوماسية السرّية وسِرّية الدبلوماسية

رعد البيدر

 

يقع الكثيرون في خلطٍ مفاهيمي حين يظنون أن « الدبلوماسية السرية « و» سِرية الدبلوماسية « لا يختلف بينهما المعنى بتقديم أو تأخير إحداهما على الأخرى، بينما الواقع يثبت أن بينهما فرقاً شاسعاً؛ فالأولى تقوم على كتمان حقيقة ونتيجة اتفاق بين جهتين أو أكثر، حيث اتُفِقَ على التزامات في الخفاء، وأبـرمت صفقات بين الدول المتفقة دون نشرها أو تسجيلها دولياً، وهو سلوكٌ باتَ منبوذاً ومحظوراً في فقه القانون الدولي المعاصر. أما الثانية، فهي إجراءات سِرية تامة، تتعلق بكتمان المداولات والمساومات التي تسبق الاتفاق، رغبةً في حماية الحوار من ضجيج الاستقطاب حتى يبلغ مرحلة النضج، وهو إجراء فني لا غنى عنه في العمل السياسي الرصين لضمان عدم إحراج الأطراف المتفاوضة أمام شعوبها قبل الاستقرار على صيغة توافقية نهائية.

نادي مغلق

سادت مرحلة الدبلوماسية التقليدية، أو ما كان يُعرف بـ « دبلوماسية النادي المغلق «، لقرون طويلة، حيث كانت السياسة الخارجية تصرفات حصرية بالطبقة الأرستقراطية التي تدير مصالح القوى العظمى بعيداً عن عين الرقيب الشعبي. وفي غرف مجهولة الموقع، وُلدت معاهدات قادت شعوباً بأكملها إلى محارق النزاعات والحروب دون أن تدرك الأسباب الحقيقية لعدوانها، مما جعل العامة يصفونها بـ « الدبلوماسية الماسونية « تعبيراً عن شدة انغلاقها على المحترفين، واعتمادها لغة وتقاليد نخبوية لا يفهم شفرتها إلا من كان داخل الدائرة الضيقة لصناعة القرار.

ومع اقتراب موعد نهايات في الحرب العالمية الأولى، بدأ النهج القائم على تغييب الالتزامات الوطنية عن المواطنين يضمحل، إذ أثبتت التجربة المريرة أن استدامة الأسرار ضربٌ من الخيال في ظل تداخل المصالح وتشابك الالتزامات الاقتصادية والأمنية العابرة للحدود، ونمو فاعلية وسائل الإعلام. ومع صمت المدافع في تشرين الثاني من عام 1918، دخل المشهد الدولي مرحلة انتقالية اختُتِمَت رسمياً بإسدال الستار على الحرب العالمية الأولى قانونياً بصدور معاهدة فرساي عام 1919؛ لتتعالى الأصوات بضرورة تطهير السياسة من المعاهدات المكتومة، وتوجت تلك المطالب بتأسيس عصبة الأمم التي وضعت المادة (18) كقيد قانوني صارم يوجب تسجيل المعاهدات في الأمانة العامة ونشرها فوراً، معتبرة أن أي عهد لا يُسجل لا قيمة قانونية له ولا يُلزم أطرافه.

ولم يتوقف المسار التصحيحي عند عصبة الأمم، بل تجذر بعمق أكبر مع قيام الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، إذ نصت المادة (102) من ميثاقها صراحةً على ضرورة تسجيل كافة الاتفاقات الدولية، ووضعت جزاءً عملياً يقضي بحرمان الدول من حق الاحتجاج بأي معاهدة غير مسجلة أمام أجهزة المنظمة، بما في ذلك محكمة العدل الدولية. بذلك انتقلت الشفافية من كونها مطلباً أخلاقياً إلى شرطٍ قانوني لانتزاع المشروعية، وطُويت صفحة التحالفات الخفية التي فجرت حروباً مفاجئة، فأعتلى نص القانون فوق دهاء وتحالفات الغرف المغلقة.

وفي المقابل، بقيت « سِرية الدبلوماسية « الأداة الفنية الأكثر فاعلية في فض الاشتباكات الدولية؛ كونها لا تعني إخفاء النتيجة، بل حماية « المطبخ « التفاوضي.

فالتفاوض بطبيعته يتطلب مرونة وتنازلات متبادلة، وهو أمرٌ يصعب تمريره تحت مجهر الرأي العام الذي قد يفسر كل تنازل مرحلي بكونه بيعٌ للثوابت الوطنية. لذا، فإن كتمان المداولات يوفر للدبلوماسيين مظلة تحمي خشيتهم من اتهامات التخوين أو مزايدات أحزاب المعارضة، شريطة الالتزام بعرض النتائج النهائية فور نضوجها. إنها سرية وسيلة لا غاية، تهدف لتحقيق المصلحة الوطنية العليا في إدارة الحوارات الشاقة دون انكار حق المواطن في المعرفة اللاحقة.

حوار هادئ

ختاماً، يستلزم التمييز بين مساري السرية والدبلوماسية وفق ورودهما في عنوان المقالة الإدراك بأن الدبلوماسية في ثوبها الحديث لم تعد تتقبل الغموض في التعهدات، لكنها تُقدس في الوقت ذاته رصانة الحوار الهادئ. إن بناء استقرار دولي متين يتوقف على التوازن الدقيق في حراجة الوقت وعرض نوع المعلومة؛ فأنظمة حكم الدول المعاصرة تدرك أنها ملزمة قانونياً وأخلاقياً بوضع نتائج الاتـــــــــفاقيات في دائرة الضوء، مما يعني انتهاء زمن الغموض على شعوب كانت تُقاد نحو مصائرها وهي معصوبة العينين، لتنطلق مرحلة جديدة تفصل بين التكتيك التفاوضي وبين الميثاق القـــــــانوني، بما يضمن سيادة القانون وحق الشعوب في مراقبة العهود التي تُبرم باسمها.

 

 

 


مشاهدات 25
الكاتب رعد البيدر
أضيف 2026/01/21 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/01/22 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 16500 الكلي 13523923
الوقت الآن
الخميس 2026/1/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير