موسيقى قوية في (شرقي .. عذابات) تفقد إستهلالية العرض
مجموعة شباب ترسم اللوحة الدموية التشرينية بأبدع صورة
كافي لازم
بعد القحط المسرحي والتوقف الظالم منذ الشهر العاشر في العام السابق اي منذ مهرجان بغداد المسرحي لم نرى عرضا مسرحيا لاسباب نجهلها واذا اطلعنا عليها نجدها اسبابا غير مشروعة وبالاخص اذا كان السبب ماديا ،اذ لايمكن لبلد مثل العراق وتاريخه العظيم ان يمضي بدون مسرح مع انه كان معلما وسباقا في قضية المسرح في حين نرى دول اخرى تعلمت منا الاسس والمناهج لهذا الفن العظيم ومسارحها مستمرة العروض على قدم وساق لان لديهم مجالس للثقافة والفنون مع خطط وارصدة مالية من قبل الدولة لدعم الفنون حيث انه يعتبر بمثابة واجهة حضارية للبلد وان الذي يحدث الان من سرقات لاموال الدولة وجزء منها يمكن ان نبني به قاعات عرض جديدة او تجديد حلمنا ببناء اوبرا بغداد.
اما ما عرض امامنا على مسرح الرشيد في عرض (شرقي.. عذابات) لمخرجها حسن خيون ومؤلفها ماجد مطرود، تقديم الفرقة الوطنية للتمثيل بالتعاون فرقة (الفضاء الواحد) في بلجيكا،من مجموعة قصص تبدأ بموسيقى قوية ضيعت علينا فهم استهلالية العرض فنحن امام جدران عالية غير مألوفة الشكل بالنسبة لنا الا بعد الاحتلال الامريكي اعطاها المخرج بعدها المكاني حينما رسم عليها البساط العراقي الجميل لدلالة مكان الاحداث وليخفف حالة الخناق الحاصل، لذلك كان من الممكن تغيير اسم العمل من (شرقي عذابات) الى (عراقي عذابات) اذ ان كل الذي جرى فيه لم يجر لا في الشرق ولا حتى في الغرب فالعراق متفرد بالمآسي دون الاخرين سابقا وحاضرا ولاحقا.
واذا بدأ المخرج بحركة جميلة بقرص الشمس الذي كان حاضرا اثناء دخول الجمهور ثم يتوجه الى مكان العرض لنجد شخصا ما في المسرح يحاول ان يمسك قرص الشمس لينجو من هذا الوضع الخانق بين الجدران الثقيلة لكنه بالكاد استطاع ان يخرج من صمته قبل ان تطبق عليه هذه الجدران بصوت متحشرج وجاف نتيجة الصمت الطويل ليصرخ صرخة احتجاجية قوية جدا بعد جهد جهيد لكن المخرج لم ينتبه الى حالة الصمت الطويل في المشهد الاستهلالي ادى الى حالة لم يمسك بها الجمهور الذي سرعان ما اصابه الغثيان من الدقائق الاولى للعرض الى اذ جاءت المجموعة بحركات متنوعة وسلمت ملابس القاضي بعد ان كان جنرالا للفنان القدير عزيز خيون الذي استمر قليلا بهذا الدور في حوار سردي ولولا اجادته لكان امتدادا لحالة الغثيان، الى ان استلم دور الرجل السكران واتخذ حالة السكر وسيلة في الانطلاق لحوارات صميمية تجمع بين السرد والدراما وتسمح بالتوسع في خلق حالات اجتماعية قاهرة استفاض في شرحها بين حالة الماضي والحاضر على مستوى العلاقات الانسانية السائده آنئذ وواقع الحال وبما ان حالة السكر تسمح باستعمال مفردات اكثر قربا واريحية للممثل في توصيل الفكرة بشكل مبسط بالاضافة الى الحركات والايماءات والايحاءات مع محطات كوميدية، وهي غير صالحة للشخص الصاحي وقد اعطى الممثل عزيز خيون كل جهده وخبرته المتراكمة في فن التمثيل الى حد التماهي اهتم برسم هذه الشخصية بشكل خاص وانا متأكد انه احبها لانها اقرب له كشخص يحمل حبا لوطنه وشعبه (ويذكرنا بادائه الجميل هذا بالراحل يوسف العاني اعطانا صورة كاملة لحال البلد فان الممثل كما قال شكسبير في هاملت (هو خلاصة العصر) مع ذلك كان الحوار اكثر اسهابا وتكررت بعض المفردات هنا وهناك.
حالات هبوط
يبدو لنا انه اهتم بالشخصية دون عناصر العرض الاخرى صحيح هي واجبات المخرج لكن عندما نجد خللا في حالات هبوط في مشاهد اخرى تشكل احباطا في ايقاع العمل وللجهد المبذول في المشاهد الجيدة عليه ان يتدخل ناصحا، مثلا كان عليه ان يتدخل في حالتين مهمتين اولا الاختصار في المشهد وحذف حالات التكرار لكي يكون الاداء تصاعديا وليس افقيا، ثانيا انه مخرج وعليه ان يتدخل بشكل او بآخر لتصحيح بعض المسارات وهم احرار في ذلك لاننا ليس جزء من تمارينهم لكننا متلقين مرتبطين بحالة العرض ومانجم منه من ملل.
لم يهتم العمل بدور المرأة وكان حضورها باهتا وغير مؤثر مع مجموعة الشباب الذين يملؤون الفواصل والتشكيلات الجميلة في جهد واضح للعيان وكان رسمهم للوحة الدموية التشرينية من ابدع الصور وتحسب هذه للمخرج ،والتي كنت اتمنى ان ينتهي به العرض ليبقى راسخا في الاذهان، وكان من الممكن تكثيف العرض كما الموسيقى تتشابه في كل المشاهد مع ان المشاهد مختلفة! هذا وليس من المعقول ان تحبس الجمهور في القاعة ساعتين بالتمام والكمال مما ادى الى ضياعه في التركيز والانتباه! مع ذلك اكتملت صورا رائعة في السينوغرافيا وكانت معبرة ومنسجمة تماما في الصوره وشد الانتباه ،كما الاستفادة من المجموعة في رسم صور مختلفة حلت الكثير من فك الاشتباك بين الراوي والتمثيل في الحوار المتبادل الذي تجسد فقط في الجلسة الحميمية بين الشخوص والممثل كما لاننسى جهد الفنان طه المشهداني والممثل بهاء خيون شاهدنا عمل ممكن ان يكون افضل مع وجود الجهد المبذول من قبل المخرج حسن خيون ولكن لا ننسى ان لدينا مخرجين قدموا قبل هذا العمل اشكالا معاصرة وحداثوية تبهر الناظر باخر الطرز المسرحية المستحدثة ولو توفرت لهم ادوات التقنية الحديثة لرسموا اشكالا مذهلة وعلى الدولة استيرادها وهي لاتكلف كثيرا.