غرفة أوكسجين
أحمد عبد المجيد
أوحى لي بهذا العنوان صديقي الفريق الركن محمد العسكري، الذي كان يحادثني عن زياراته المتكررة لمعرض بغداد الدولي للكتاب، وذلك بعد ساعات من محاضرات كنت ألقيتها على طلبة الماجستير بمعهد العلمين للدراسات العليا، وتمنيت فيها عليهم استثمار فرص مثل هذا المعرض والنشاطات الثقافية والعلمية، في تأمين مصادر دراساتهم وتعزيز معارفهم، تمهيداً للشروع بمرحلة كتابة الرسائل الجامعية.
كان العسكري المعروف بشغفه الثقافي وحبه للكتاب الورقي، يسرد أهمية اقامة معرض بغداد للكتاب، في جو اقليمي ملبد سياسياً ومأزوم عسكرياً ومتراجع اقتصادياً، وقد انعكست آثاره على العراق نفسياً تمثل بمشاعر الاحباط التي تلازم فئات واسعة من الناس، وتتمثل ثقافياً بنوع من الغياب الواضح للنشاطات النوعية كالمهرجانات الكبرى. وقد وصف العسكري المعرض بأنه غرفة اوكسجين وسط بيئة يشح فيها الهواء النقي، وهو وصف غير مطروق، يؤكد دقة توقيت اقامة المعرض وحسن استضافة نحو 600 دار نشر عربية واجنبية ومحلية شاركت فيه، وفي هذا الاطار يمكن قول الكثير عن الفائدة العلمية، فبدلاً من ترك آثار نقص الاوكسجين تتفاعل، فأن احتواءها أو مواجهتها بما يتيسر من امكانيات، يتعين علينا، حكومة ومنظمات واشخاص، ان نبادر ونأخذ مساحتنا المتاحة في ضخ مزيد من الاوكسجين الى (غرف) أوسع ومساحات أكبر، وان نحث على المشاركة المجتمعية لتطويق محاولات جر البلاد الى الاحتراب الداخلي أو الهروب الخارجي، بمعنى ان نبارك أو نؤيد حضور الجمهور، بكل مستوياته وفئاته الى هذا المحفل الثقافي أو ذاك، بغية الاستماع أو الاستمتاع بمشاهده المطبوعة او المرئية او المسموعة. وكنت سعيداً جداً وانا اتابع حشود العوائل والمجموعات الفئوية، وهي تتجول في أروقة المعرض، تقرأ العناوين وتتحاور مع مدراء الاجنحة او تحضر الندوات واللقاءات التي اجريت على هامش المعرض، الذي يستمر لغاية 12 ايلول الجاري.
وكيفما تكون طبيعة حضور الجمهور الى معرض الكتاب، فأن الذي ينظر الى نصف الكأس الملآن، يجدها ظاهرة تفاعلية ايجابية تنطوي على دلالات معرفية وثقافية أكيدة. فمن غير المعقول ألا يستفيد انسان من نتائج فحص الكتاب أو تصفحه ولا ينعم بنفس عميق اي يستنشق اوكسجيناً نقياً وينصرف عن الهموم اليومية الضاغطة التي تصطحب معها المناخ الملوث والهزيمة المعنوية. ولهذا السبب لا اتفق ابداً مع اولئك الذين ينظرون الى الحضور الجماهيري في معرض الكتاب نظرة إستكثار أو إستعلاء، ويرون فيه نشاطاً غير ذي جدوى أو يندرج ضمن مفهوم التسكع وتزجية الوقت. نعم هذا التسكع في غرفة الاوكسجين اكثر فائدة من الحصول على جودة الهواء باللهو مع مواقع التواصل الرقمي التي تبث سموم الطائفية وتهدر سنوات التطور في جميع المجالات، الأمنية والعلمية والتربوية. ونعم أيضاً وأيضاً، ان تزجية الوقت في رحاب آلاف الكتب المنتجة في 25 دولة، اكثر قيمة من هدر الوقت في القيل والقال والتجاذبات السياسية والكلام بلا معنى في الغرف المظلمة. يقوم جوهر كتاب الدكتور علي الوردي (مهزلة العقل البشري) على فكرة أنك اذا كنت في مجتمع متعلم وقدمت لنفسك اشياء صحية تغذي دماغك فستكون شخصاً أنضج وأكثر عقلانية.
اذن علينا ان نوسع غرفة الاوكسجين لتشمل جميع مجالات حياتنا وننشد للعالم (انا الذي نظر الاعمى الى ادبي واسمعت كلماتي من به صمم).