الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
برلمان الغرفة

بواسطة azzaman

برلمان الغرفة

زهراء غازي إبراهيم

 

تقول غرفتي:

 

"لقد أصبحتُ أحمل أثقالًا أكثر مما أحتمل. زار التعبُ جدراني، محمّلًا بتلك الأوراق المليئة بالأحلام المؤجلة، وبالنصائح التي تودّ لو أنك التزمتَ بها، وبالتوقّعات التي ترسمها على الجدران ثم تمضي، تاركًا إياها معلّقة بين الأمل والانتظار.

 

متى يحين وقتُ الراحة؟

 

لستُ منزعجةً منك؛ فأنا أضمّك بين حناياي كلما ضاقت بك الأيام، وأشهد انكساراتك قبل انتصاراتك، ولكنني مستاءةٌ عليك. أراك تُثقل قلبك أكثر مما تُثقلني، وتحمّل روحك ما لا ينبغي لها أن تحمل."

 

ثم بدت الغرفة تنتحب، ولم أستطع إسكاتها. كان حزنها يملأ المكان حتى خُيّل إليّ أن الجدران ستتشقق من وطأته.

 

عندها تقدّم الكرسي وأخذ زمام الحديث قائلًا:

 

"أنا أعرف حجم التساؤلات التي تضجّ في رأسك، وأدرك ثقلها حين تجلس فوقي منهكًا. أحاول، بطريقتي البسيطة، أن أساعدك في العثور على بعض أجوبتها. وأشعر بشيء من الراحة كلما أسندت رأسك إليّ؛ فأحنو عليك كأنك جزءٌ مني."

 

ثم التفت إلى الغرفة وقال:

 

"نحن معه."

 

وسرعان ما انحدر الصمت على مسانده كدمعةٍ خفية؛ لم يكن بكاءً مسموعًا، بل حزنًا يستقرّ على ملامحه الخشبية.

 

عندها نطقت الوسادة وقالت:

 

"أنت شجاع، وإن أثقلك التعب أحيانًا. احزن إن شئت، وابكِ إن احتجت، ودع اليأس يطرق بابك إن أراد، لكن لا تسمح له أن يقيم في قلبك. فما أكثر الطرق التي تبدأ من عثرة، وما أكثر القوة التي تولد من وجع."

 

وأخذت المروحة تدور ببطء فوقنا وهي تقول:

 

"تأمّلني قليلًا. أدور بلا توقف، ومع ذلك لا أبقى في المكان نفسه. هكذا هي الحياة؛ قد يبدو كل شيء متكررًا، لكن الأيام تمضي، وتحمل معها ما لم يكن في الحسبان."

 

فقاطعها الباب بصوتٍ حازم:

 

"إنه شجاع، ولن ينهزم. ومهما ضاقت به أركان الغرفة، فبوسعه أن يخرج، وأن يجمع شتات نفسه من الطرقات، ثم يعود إلينا أكثر قوةً مما كان.

 

اخرج وانظر إلى العالم. تأمّل وجوه العابرين جيدًا؛ ستدرك أن خلف كل وجهٍ حكايةً لا تُروى، وخلف كل ابتسامةٍ معركةً لا يراها أحد. لكل إنسان وجعٌ يحمله في صمت، وقصةٌ يطويها في أعماقه ويأبى أن يخرجها إلى العلن. حينها ستعلم أن الحزن ليس نزيل بيتك وحدك، بل ضيفٌ عرف طريقه إلى الجميع."

 

لكن النافذة تدخّلت قائلة:

 

"لا، لن يخرج قبل أن يجمع شتاته هنا. عليه أولًا أن يترك بعض أحماله بين هذه الجدران، وأن يسمح لدموعه بأن تأخذ مجراها. فليس كل هروبٍ نجاة، وليس كل بقاءٍ ضعفًا."

 

ثم أضافت وهي تشير بزجاجها إلى الخارج:

 

"حين يضيق به العالم، فلينظر إلى الشارع. ليتأمل السيارات المسرعة، ويتذكر أن كل شيء عابر مهما طال بقاؤه. ولينظر إلى الأطفال وهم يملأون المكان ضحكًا؛ فربما استعار من أصواتهم شيئًا من الأمل يجدّد به أيامه.

 

ولينظر إلى تلك العجوز التي أثقل الفقر خطاها، وأحنت السنون ظهرها؛ ليدرك أن لكل إنسان معركته الخاصة، وأن الوجع، مهما بدا فريدًا، ليس حكرًا على أحد."

 

وعندما أنهت النافذة كلامها، نطقت الساعة بعصبيةٍ لم أعهدها فيها، وكأن عقاربها ترتجف من فرط ضيقها بي:

 

"انهض. كفاك تأجيلًا.

 

تقف أمامي كل يوم، وتراني أمضي ولا تتعلم شيئًا مني. الوقت لا ينتظر أحدًا، ولا يعود لمن فرّط به.

 

وذلك الكتاب المهمل على رفّك ما زال ينتظر أن تفتحه، ينتظر أن تناقشه في أسئلته ويجيبك عن أسئلتك.

 

انهض. ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الوقوف في مكانك لن يقرّبك من أيّ مكان."

 

وكانت هناك دميةٌ صغيرة في الركن، تراقب كل شيء بابتسامةٍ لا يطالها الزمن.

 

لم تنطق بكلمة، لكن ثباتها كان يقول لي:

 

"إياك أن تتحول إلى شيءٍ ينتظر الأيام فحسب. خُلقتَ لتعيشها، لا لتراقب مرورها."

 

عندها نظرتُ إلى الغرفة، وإلى الكرسي، والوسادة، والمروحة، والباب، والنافذة، والساعة، والدمية...

 

كان الجميع صامتين.

 

وللمرة الأولى، لم أشعر أنني وحدي.

 

 


مشاهدات 23
الكاتب زهراء غازي إبراهيم
أضيف 2026/06/14 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 1:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 13878 الكلي 15889359
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير