الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المكياج السياسي

بواسطة azzaman

المكياج السياسي

محمد حمزة الجبوري

 

في السياسة لا يحتاج الفشل دائماً إلى اعتراف بل يكفي أن يجد من يضع فوق وجهه طبقة من المكياج الإعلامي ليبدو أمام الناس أكثر أناقة مما هو عليه في الحقيقة، المكياج السياسي هو منظومة كاملة تستخدم أحياناً لإعادة إنتاج المشهد نفسه مع تغيير ملامحه الخارجية فقط؛ تبدل العناوين و تتغير الشعارات وتطلق الوعود وتفتح أبواب المؤتمرات والبيانات بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة  أين الإصلاح؟ أين الخدمات؟ أين العدالة؟ وأين المسؤولية؟ اين الحياة الكريمة المكفولة دستوريا؟ ما جدوى سياستكم النفعية لشعب سرق ماضيه وحاضره ومستقبله؟  المشكلة ليست في أن يمارس السياسي حقه في الدفاع عن مشروعه وإنما في أن يتحول الدفاع إلى محاولة لتجميل ما لا يمكن تجميله؛ فالناس لا تعيش على الصور  ولا تدفع فواتيرها بالشعارات الفقاعية ولا تجد طريقها إلى المستقبل عبر المؤتمرات الصحفية المملة؛ لقد أصبح بعض الخطاب السياسي أشبه بمرآة مصقولة بعناية تظهر الوجه الذي يريد صاحبه أن يراه الجمهور فيها، وهنا يبدأ الخطر حين يصبح بعض الإعلام أداة لتغطية الإخفاق بدلاً من كشفه  وحين تتحول الكلمات الكبيرة إلى ستار يخفي واقعاً صغيراً ومأزوماً.

السياسة الحقيقية ليست في كثرة الظهور  ولا في عدد الصور ولا في ارتفاع سقف التصريحات والمواكب المدججة بالرجال والسلاح؛ السياسة مسؤولية والسلطة امتحان والإنجاز هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم؛ والنتاج لا يتطلب مطبلين حمقى؛ إن أخطر ما في المكياج السياسي أنه لا يعالج المرض وإنما يؤجل لحظة اكتشافه  قد ينجح في خداع العين  لبعض الوقت لكنه يعجز عن خداع الواقع فحين يصطدم المواطن بالبطالة وسوء الخدمات والفساد  والبيروقراطية والرشا وغياب العدالة لن تنفعه كل مساحيق الخطاب السياسي.  المواطن اليوم أكثر وعياً من أن يكتفي بصورة جميلة أو وعد جديد؛ لقد تعلم أن يضع الكلام على ميزان التجربة وأن يقارن بين ما قيل وما تحقق  وبين ما وعد به وما وصل إليه فعلاً  ان اللعبة السياسية شارفت على النفاد ؛ ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة تجميل بل معركة مصداقية؛  لا أحد يطلب من السياسي أن يكون معصوماً من الخطأ، لكن المطلوب أن يمتلك شجاعة الاعتراف  وأن يضع المشكلة أمام الناس كما هي ثم يقدم حلاً قابلاً للتنفيذ؛ فالسياسي الذي يعترف بفشله قد يستعيد ثقة الناس أما الذي يضع المساحيق على فشله فإنه يخسر الحقيقة والثقة معاً؛ السياسة التي تحتاج إلى مكياج دائم هي سياسة تخشى المرآة؛  والمرآة هنا ليست الإعلام بل الناس  فالجمهور يستطيع أن يصفق للخطاب لكنه في النهاية يحكم على النتائج وقد تنجح السلطة في صناعة صورة مؤقتة لكنها لا تستطيع صناعة واقع مزيف إلى الأبد لذلك فإن العراق لا يحتاج إلى مزيد من (الميكاب السياسي) بقدر ما يحتاج إلى سياسة بلا مساحيق؛ سياسة تقول الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة وتضع الإنجاز قبل الاستعراض والكفاءة قبل الولاء والمصلحة العامة قبل الحسابات الضيقة؛ فالبلدان لا تبنى بعمليات التجميل السياسي وإنما تبنى عندما يصبح المسؤول مستعداً لأن يترك صورته جانباً وينزل إلى الميدان ويواجه الحقيقة كما هي؛ ففي السياسة يمكن للمكياج أن يخفي التجاعيد لكنه لا يستطيع أن يخفي عمر الأزمة.

 


مشاهدات 35
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/09/01 - 3:10 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 11:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1783 الشهر 1783 الكلي 16134304
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير