الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حينَ التفتُ إلى عمري

بواسطة azzaman

حينَ التفتُ إلى عمري

هدير الجبوري

 

في لحظة مرض، أو أزمة، أو خوف مفاجئ من الغد، يحدث شيء لا يشبه كل ما مر بنا من قبل... نتوقف عن الركض، عن تلبية حاجات الآخرين، عن محاولة أن نكون بخير من أجل الجميع، عن إخفاء تعبنا حتى لا نقلق أحداً، ونلتفت فجأة إلى أنفسنا... فنكتشف كم كنا بعيدين عنها.

ربما تكون أقسى لحظة في حياة الإنسان هي تلك التي يسأل فيها نفسه، بعد سنوات طويلة من العطاء: ماذا صنعت بي الحياة؟ وماذا بقي لي منها؟

أمضيت عمراً وأنا أعتقد أن الإنسان لا يخسر شيئا حين يمنح.

 كنت أقدم من وقتي، ومن راحتي، ومن قلبي، ومن جهدي، وأحيانا من صحتي، دون أن أحسب ما أعطيه أو أنتظر مقابلا.

كنت أؤجل نفسي دائما... فهناك من يحتاجني، وهناك من ينتظر كلمة، وهناك من يحتاج مساعدة، وهناك من يجب أن أقف إلى جانبه.

ومضت السنوات...لم أنتبه أنني كنت أوزع عمري كما لو أنه لا ينفد.

نسيت أن لي عمراً أيضا، وأن لي أحلاما مؤجلة، وراحة أستحقها، وقلقا يجب أن أضع له حداً، وقلباً يحتاج إلى من يربت عليه كما كنت أفعل دائما مع الآخرين.

ثم جاءت لحظة جعلتني أرى كل شيء بصورة مختلفة.

لحظة مرض، وخوف، وأسئلة كثيرة عن الغد... لحظة شعرت فيها أنني لم أعد أستطيع أن أهرب من السؤال الذي ظللت أؤجله سنوات:

وماذا عني أنا؟

عندها فقط شعرت بثقل الأشياء التي لم أنتبه إليها من قبل.

شعرت بثقل السنوات التي مضت، وبثمن التضحيات التي لم أكتب حسابها يوماً، وبالشباب الذي مر وأنا مشغولة بأن يكون الآخرون بخير. شعرت أنني أعطيت كثيرا لدرجة أنني لم أترك لنفسي ما يكفي من الأمان حين احتجت إليه.

وهذا هو الوجع الحقيقي...

ليس أنني أعطيت.فأنا لا أندم على الخير الذي فعلته، ولا على محبتي للناس، ولا على وقوفي إلى جانب من احتاجني  ولو عاد بي العمر ربما كنت سأفعل الكثير منه مرة أخرى.لكنني أتألم لأنني نسيت نفسي تماما وأنا أفعل ذلك.

كنت أظن أن الحياة ستكافئنا بطريقة ما، وأن السنوات التي نمنحها للآخرين ستعود إلينا يوما في صورة أمان، واحتواء، وطمأنينة، وظهر نستند إليه حين نتعب.

ثم نكتشف أن الحياة ليست دائما عادلة بهذا الشكل.

قد تصل إلى لحظة تحتاج فيها إلى من يسندك، فتكتشف أن الذين اعتادوا أن تستند إليهم كانوا يظنون أنك لا تتعب.

وقد تقول: أنا خائف، فيتعجبون... لأنهم لم يعتادوا أن يروا منك إلا القوة.

وقد تمرض، فيصبح السؤال ليس عن كل ما فعلته طوال حياتك، بل عن ماذا ستفعل الآن.

وهنا يصبح المستقبل مخيفاً.ليس لأننا لا نعرف ماذا سيحدث فقط، بل لأننا نشعر أننا لم نعد نملك الطاقة نفسها التي كنا نملكها من قبل لمواجهة المجهول.

أحيانا لا يخيفني الغد بقدر ما يؤلمني أنني وصلت إليه وأنا أشعر أنني دفعت من عمري ثمنا كبيرا جدا لأجل الآخرين، ولم أحتفظ لنفسي بشيء يطمئنني حين أحتاج إلى الطمأنينة.

ألتفت إلى الوراء فأجد سنوات كثيرة من العمل، والتعب، والمسؤوليات، والمواقف، والتضحيات، والمحبة، ومحاولات أن أكون موجودة للجميع...

ثم ألتفت إلى الأمام فلا أرى الطريق واضحا.فقط خوف.وحزن.وسؤال كبير: كيف سأواجه ما تبقى؟

لكن ربما تكون هذه اللحظة، على قسوتها، هي اللحظة التي يجب أن أتعلم فيها شيئا تأخرت كثيراً في تعلمه:

أنني لست مطالبة بأن أنقذ الجميع ،وأن العطاء لا يعني أن أستنزف نفسي.وأن الحب لا يعني أن أنسى نفسي.وأن الإنسان يستطيع، حتى بعد أن يمضي جزء كبير من عمره، أن يبدأ للمرة الأولى في اختيار نفسه دون أن يشعر بالذنب.

ربما لم يبق لي من بعض الأشياء ما كنت أظنه سيبقى.

وربما أخذت الحياة مني سنوات وراحة وأحلاما لم تتحقق.

لكن ما زال هناك شيء واحد أستطيع أن أسترده:

نفسي.أستطيع أن أتوقف عن جلدها لأنها تعبت، أستطيع أن أقول لها: لقد فعلت ما استطعت.لقد كنتِ موجودة للآخرين أكثر مما كنتِ موجودة لنفسك.سامحي نفسك على السنوات التي لم تعرفي فيها كيف تحمين قلبك.سامحيها على خوفها وعلى ضعفها وعلى حاجتها إلى من يطمئنها.فليس عيبا أن نتعب بعد كل هذا الطريق.

وليس عيبا أن نبكي حين نخاف.وليس عيبا أن نسأل: ومن سيقف إلى جانبي هذه المرة؟

ربما لا أملك اليوم إجابة كاملة عن الغد وربما ما زلت أخاف منه لكنني أعرف شيئا واحدا:

لن أسمح لما تبقى من عمري أن يضيع بالطريقة نفسها فقد أعطيت كثيراً

وحان الوقت، ولوأنه متأخراً، أن أعطي شيئا لنفسي أيضا،شيئا من الراحة...

شيئا من الأمان...وشيئا من العمر الذي بقي لي.فأنا أيضا... كنت أستحق أن أعيش..

 

 


مشاهدات 35
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/08/26 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 2:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 34769 الكلي 16124473
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير