هاشتاك الناس
أصدقاء العمر
ياس خضير البياتي
هناك أصدقاء نلتقيهم كثيرًا، ثم لا يبقى من اللقاء سوى صور عابرة وعبارات تتلاشى مع الأيام. وهناك أصدقاء آخرون لا تحتاج إلى كثرة اللقاء بهم؛ يكفي أن تجلس إلى جوارهم بعد سنوات طويلة، حتى تشعر أن الزمن لم يمضِ، وأن الأمس ما زال قريبًا، وأن المسافة بين الأمس واليوم لم تكن سوى وهم.
هكذا كان لقائي بـ سعدي الجبوري، أبو عدي، في إسطنبول. منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن سعدي مجرد صديق في دفتر الأيام، بل واحدًا من أولئك الذين دخلوا الحياة من بابها الواسع، ثم استقروا فيها حتى صار حضورهم جزءًا من ذاكرتنا.
عرفته في سنوات الشباب، في ذلك الزمن الذي كانت فيه الصداقة تُبنى على اللقاءات الطويلة، والحديث الذي لا ينتهي، والضحكة التي تأتي بلا موعد، وعلى تفاصيل صغيرة لم نكن ندرك قيمتها آنذاك، ثم اكتشفنا بعد عقود أنها كانت أجمل ما في العمر.
وحين التقينا بعد كل هذا الزمن، لم نحتج إلى مقدمات طويلة. جلسنا، وكان أول من حضر بيننا بغداد. ليست بغداد التي تظهر على الخرائط، ولا بغداد الشوارع والجسور والأحياء، وإنما بغداد التي نسكنها وتسكننا؛ بغداد التي كانت يومًا مكانًا للحلم، وللجلسات الطويلة، وللأصدقاء الذين كانوا يملأون أيامنا بالحياة.
أخذنا الحديث من حكاية إلى أخرى، ومن اسم إلى اسم، ومن شارع إلى شارع. استعدنا أصدقاء غابوا، وأماكن تغيرت، وجلسات كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، وأيامًا كنا نعيشها ببساطة، من دون أن نعرف أنها ستصبح يومًا أجمل ما في الذاكرة.
وهذه واحدة من أجمل خصائص صديق العمر: أنه يعرف النسخة القديمة منك. يعرفك قبل أن تغير السنوات ملامحك، وقبل أن يثقل العمر صوتك، ويعرف أحلامك الأولى وأصدقاءك وأماكنك، وحتى الأشياء التي ربما نسيتها أنت.
وكنا نتمنى لو كان صديقنا القديم الآخر محمد صدام السوداني معنا في ذلك اللقاء. فمحمد أيضًا واحد من أضلاع تلك الحكاية الجميلة. كنا نحن الثلاثة، سعدي ومحمد وأنا، نشكل ما أسميه مثلث المحبة؛ مثلثًا لم تبنه المصالح ولا الظروف، وإنما بنته سنوات طويلة من الود والرفقة والذكريات.
وفي إسطنبول لم يكن سعدي وحده؛ كانت أم عدي حاضرة بكل ما تحمل من محبة ودفء، وهي التي ربطتها بأسرتنا علاقة طيبة وقريبة، كما كانت عائلتي قريبة من عائلتها. وكان ينقص جلستنا أيضًا حضور أم زيد، زوجة محمد، تلك المرأة التي كانت تضفي على لقاءاتنا شيئًا خاصًا من الحكمة والعلم ورجاحة الرأي، وتحاول دائمًا أن توثق العلاقات بروحها الوفية.
كم هو غريب هذا العمر!
نمضي فيه ونعتقد أن الأشياء الكثيرة هي التي ستبقى: البيوت، والوظائف، والمناصب، والكتب، والمال، والمدن... ثم نكتشف في النهاية أن الذي يبقى حقًا هو الإنسان الذي كان معنا ونحن نصنع ذاكرتنا.
لذلك، حين التقيت سعدي في إسطنبول، لم أكن ألتقي صديقًا قديمًا فقط، بل كنت ألتقي جزءًا من حياتي. فالمدن تتغير، والظروف تتبدل، والوجوه تتكاثر وتغيب، لكن بعض الصداقات تظل واقفة في مكانها، كأن الزمن مرّ حولها ولم يستطع اقتلاعها.
رباط الكلام؛ما أكتبه ليس مجرد أسماء شخصية، بل هو شهادة تاريخية عن معنى الصداقة وفلسفتها، وعن جمالها في أزمنة البساطة والوفاء والمحبة. فلا أكتب عن سعدي وحده، ولا عن محمد أو أم عدي أو أم زيد، بل أكتب عن فلسفة إنسانية اسمها الصداقة. في زمنٍ أصبحت فيه العلاقات أسرع وأخف وأكثر قابلية للانتهاء، تبدو الصداقة القديمة شيئًا نادرًا، كجوهرة محفوظة في ذاكرة الزمن.
كثير من العلاقات اليوم تُبنى على المصلحة، وبعضها على المجاملة، وبعضها يعيش ما دامت الحاجة قائمة. أما الصداقة الحقيقية فلها جذور عميقة؛ لا تقتلعها المسافات، ولا تهزمها السنوات، ولا تحتاج إلى تجديد عقد كلما تغيرت الظروف.
ولأن بعض الأصدقاء أكبر من الكلمات، لا أريد أن أقول لك: شكرًا لأنك صديقي. أريد أن أقول شيئًا أبسط وأعمق: يا أبا عدي، بعض الأصدقاء لا يكونون جزءًا من العمر... بل يكونون العمر نفسه. وكان لقاؤنا في إسطنبول قصيرًا... لكن العمر كله كان حاضرًا.
ولذلك ربما تكون أعظم ثروة يحملها الإنسان في نهاية الطريق ليست ما جمعه من مال، ولا ما ناله من منصب، ولا عدد الكتب التي كتبها، بل أسماء قليلة يستطيع أن يقول أمامها: هؤلاء عرفوني قبل أن أصبح ما أنا عليه، وبقوا معي بعدما تغير كل شيء.
yaaas@hotmail.com