الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فاروق هلال وتجليات آخر العمر

بواسطة azzaman

فاروق هلال وتجليات آخر العمر

ساجدة الموسوي

 

حين تجفُّ سواقي الحاضر وتنوء محطات العمر بثقل أمنيات يعجز الجسد الواهن عن تحقيقها تحاول الروح الخلّاقة ولو بعد سنين أن تراوغ الزمن فتتصدى لجفاف الينابيع بماء الروح الواهبة المعطاء ..وفاروق هلال الفنان الكبير الذي احتل مساحةً كبيرة على خارطة الغناء العراقي وساهم في بناء أجيال استوعبت رسالة الفن الواعية وخرج من عباءته فنانون كبار مثل كاظم الساهر ومهند محسن وأحمد نعمة ومحمود أنور ، وهو أول مطرب عراقي يغني له المطرب الكويتي عبد الله رويشد ، فأغانيه مثل ( علمني عليك وسألت عنك ) لليوم تقدمها المجاميع وتتردد بشكل دائم .

فاروق هلال لم يستسلم للمرض ولا للصمت الذي يريده أن يغلق الأبواب والنوافذ

وهاهو يظهر بتجلياته التي أبهرت كل من سمعها .

فاروق شاعراً وقصيدة ( الزمن الرفيد )

فاجأني ذات صباح بأنه رأى في المنام وجه من أحبها وحالت الظروف دون أن يجتمعا في ظل خيمة الله ورسوله .. ظل ذلك الحلم قابعاً في طيات الزمن ، وعاش فاروق الحرمان عقوداً طويلة ، فإذا بها تجيؤه في المنام ليكتب ما رآهُ شعراً فكانت قصيدة الزمن الرفيد :

( لم أرَ وجهاً يشبهُ ما رأيت / في حلم ليلةٍ ليس ككل الأحلام / سمارٌ برونزيٌّ ليس ككل الألوان / كابتسام النجوم / في ليلٍ حالك السواد / هل يا ترى سيعود الحظ / مرتلاً آهات الزمن الرفيد ؟ )

كان مندهشاً مبهوراً ، ولم يمضِ وقت حتى لحنها وأعطاها أحد نجوم الإبداع والتجلي الفنان الشاب تراث نمير ، ثم أبدع الفنان تراث بأدائها ثم إخراجها فكانت إحدى أيقونات التجلّي الذي بشّر به الفنان فاروق هلال .

رسالة الفن

 الفنان تراث نمير :

لم يكن الفنان فاروق هلال ملحناً ومغنياً مبدعاً فحسب بل خط لرسالته الفنية والمجتمعية أن يربي جيلاً من الفنانين الذين يتوسم فيهم أداء رسالة الفن بوعيٍّ وإبداع

فخرج من تحت عباءته الكثير ممن شكلوا حضوراً لا فتاً على الساحة الغنائية العراقية والعربية كما أسلفت .

وتمر السنون لتنضج فكرة الإبداع عند الفنان فاروق هلال لتقترن بالتجلّي ، فالإبداع يحتاج أن تتسامى روح الفنان ويتسامى فكره فلا يقبل الغث والعادي بل يرتقي ويرتقي بثقافته وفنه الذي يقدمه لجمهوره العريض فتكون رسالته واضحة وملهمة .

وخلال ما أنجزه الفنان الشاب تراث نمير من أعمال متواصلاً مع أستاذه الكبير الفنان فاروق هلال ظهرت شهادة الفنان فاروق هلال بتراث نمير شهادة زهوٍ وفخر حيث قال عنه :

« لقد ظهر لدينا الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين صوت تتمثل فيه كل القدرات الإبداعية ومنها ( الجواب العذب ) وهذا من النادر أن نحصل عليه ، هناك ثلاث مطربين فقط تمكنوا منه وهم ناظم الغزالي وصباح فخري وصابر الرباعي  ، وقد انضم إليهم في الوقت الحاضر الفنان تراث نمير ،

تراث الشاب المبدع يحمل بكالوريوس من كلية الفنون الجميلة وشهادة من معهد الدراسات الموسيقية ، وهو طموح ٌ ذو شغف بفنه فصدح مبهراً وإن  شبه البعض صوته بصوت كاظم الساهر ، صحيح كاظم الساهر له باعٌ طويل في القصائد المغناة ولكن تراث يمتاز في غنائه بالجواب العذب الذي جعله متفرداً ، فأنا ضد الصراخ في الجواب  ، وهذا ما شجعني أن أخصّ تراث بترنيمات التجلي الثلاث ( الحلم الرفيد وأبواب الرحيل والجريح ) وقد أبدع بجميعها أيما إبداع وأتمنى من الملحنين الأكاديميين المبدعين أن يكون هذا الصوت خير ناشر لإبداعاتهم . وباختصار أقول أن تراث نمير هو نجم القرن الواحد والعشرين  «

شهادة يستحقها الفنان تراث نميرليس فقط لقدراته الفنية العالية ولكن لخلقه الرفيع وتواضعه  وهذا ما رأيناه حين بكى تراث في إحدى حلقات ظهيرة الجمعة للفنانة الراقية رقية حسن حين قرأت وصية الفنان فاروق هلال لجمهوره ومحبيه .

القصيدة الثانية لفاروق هلال ( على أبواب الرحيل ):

رحيل قريب

وتأتي القصيدة الثانية للأستاذ فاروق هلال تحمل معاني قناعته بأن رحيله قريب غير أن حلماً ثانياً شغله حد الوله ، فتلك الحبيبة الوفية تناديه من وراء حجب الغيب كي يلتحق بها فقد توفت قبل سنوات وما تزال تنتظر قدومه لعلها تلقاهُ في السماء بعد أن عزَّ لقاؤهما على الأرض ، يقول فاروق في قصيدة أبواب الرحيل :

( وأنا على أبواب الرحيلِ أنتظر / زارني الحلمُ ثانيةً / صوتها اخترق مسامعي / متى القدومُ يا أميري متى ؟ / إن القدومَ يا أميرتي ليس بيدي / آهِ لو دامَ هذا الحلمُ ليلةً لا لحظةً / لأشبعَ الفؤادَ من رحيقِ حبِّنا )  .

هذه القصيدة أو الترنيمة ، سمها ما شئت تحمل الكثير من الدلالات النفسية والروحية

وهي من القوة ما جعلت صاحب الرؤيا يصحو مندهشاً وكأنه رأى ما رأى واقعاً وليس حلماً في المنام  ، وللمرة الثانية يوثق الحلم ويلحنه ، ويقوم تراث بأدائه بأبهى ما يكون .

القصيدة الثالثة ( الجريح ) :

أما القصيدة الثالثة للأستاذ فاروق هلال فهي خارج حدود المنام بل استذكار بعد هدأة وتأمل لعمره الطويل وقد صار كهلاً ، هكذا تراه الناس ، لكنه ينظر للأمر من ناحية الجرح الذي لم يندمل بعد ، فتسعون عاماً ما هي إلّا سنون مضت مريرة في عذاب الاشتياق واللهفة لمن يحبها لكنه استثنى من تلك السنين أربعة أعوام فقط كانت محسوبة من عمره ولا يعلم سرّها إلّا هو فسماها أعواماً تمييزاً عن السنين حيث كانت العرب تفرّق بين كلمة ( عام ) وكلمة ( سنة ) فالعام للأحداث السعيدة والسنون لأعوام الحزن.

يقول في هذه القصيدة المتشحة باللوم :( قيلَ لي أنني أصبحتُ كهلا / وقد بلغتُ التسعينَ سنةً / أخطأتم الحساب يا سادتي الكرام / فعمري تسعونَ سنةً إلّا أربعةَ أعوام / تذوقتُ فيها رحيق الأحلام / فهل على مافات من عمري أُلام / ومن يعوّضُ الجريح / تلكم الآلام ) .

نعم فمن يسببون الجرح في العادة يمضون غير مبالين بجرحٍ يدوم سنيناً طويلة ..

ثم لحنها ، والتقت بإبداع تراث فصارت الترنيمة الثالثة .

مع كل هذا التجلي للفنان الكبير فاروق هلال يعكس حيوية الشباب  التي عادت له وهو يكتب ويلحن ويتابع مع الشاب تراث وهناك مشاريع أخرى في ذهنه منها أنشودة (العراقُ بلادي ) والتي تجسد تجلياته في حب العراق ، العراق الذي يعيش في خلجات روحه وضميره .

 أخيراً ما أعظم الروح حين تتعالى على هموم الجسد فتغدق عليه بنعيمها ويعود الربيع وتعود ينابيع الماء تسخر من الجفاف .

 


مشاهدات 69
الكاتب ساجدة الموسوي
أضيف 2026/06/13 - 1:15 PM
آخر تحديث 2026/06/13 - 3:00 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 624 الشهر 12422 الكلي 15887903
الوقت الآن
السبت 2026/6/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير