الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الموت ليس نهاية الحكاية


الموت ليس نهاية الحكاية

عبدالكريم الحلو

 

١  )

 

الموت

ليس أن تنطفئ عينان

ويُسدل الستار على جسدٍ

كان يفاوض الحياة كل صباح

على قليلٍ من الضوء

 

الموت

أكثر دهاءً من ذلك

أن تبقى الأبواب مواربة

كأن الغياب لم يحسم أمره بعد

وأن تظل الساعة معلقة

على اللحظة التي خرج فيها أحدهم

ولم يعد

 

أن تضع على المائدة

فنجانين من القهوة

ثم تتذكر

ببطءٍ يشبه انكسار العظام،

أن اليد التي كانت ترفع الفنجان

لم تعد يدًا

صارت أثراً

 

وصار صاحبها

مسافةً بين الذاكرة

والتراب

 

٢  )

 

الموت

أن تنادي اسمًا أحببته

فتصطدم حروفك بالجدران

ثم تعود إليك

مجرّدةً من صاحبها

 

تنادي :

يا أبي

فتأتيك كلمة

بلا أب

 

يا أمي

فتعود الكلمة

محمّلةً برائحة الطفولة

ولا أحد

 

يا صديقي

فتسمع الصدى

يمارس وحده

طقس البقاء

 

كأن الأسماء

بعد موت أصحابها

تصير قبورًا صغيرة

ندفن فيها أصواتنا

 

٣  )

 

يا الله

أيّ حكمةٍ هذه

أن يتحول الذين

كانوا يملأون أعمارنا

إلى صورٍ صامتة؟

 

نمرر أصابعنا على وجوههم

فلا ترتجف الصورة

 

نقبّل الزجاج

فلا تدفأ الشفاه

 

نضحك حين نتذكر ضحكتهم

ثم نبكي

لأن الضحكة لم تعد

تحتاج إلى فم

 

كانوا هنا

كانت لهم خطاهم

على أرض البيت

وكان للغضب صوتهم

وللفرح ملامحهم

وكانت أشياؤهم الصغيرة

تنتظرهم على الرفوف :

 

كتابٌ مفتوح

معطفٌ لم يُعلّق جيدًا

نظارةٌ فوق طاولة

عطرٌ نائم في زجاجته

رسالةٌ لم نعرف

أنها ستكون الأخيرة

 

تركوا كل شيء

كما لو أنهم سيعودون

بعد قليل

 

لكن «بعد قليل»

كانت كذبة الزمن الأخيرة

 

٤  )

 

أيها الموت

أنت الذي تزعم

أنك تأخذ الجسد

 

لماذا تترك لنا الذاكرة ؟

لماذا لا تنتزع

رائحة اليد؟

 

لماذا لا تمحو

نبرة الصوت ؟

 

لماذا تترك الضحكة

معلقةً في سقف الروح ؟

 

ولماذا يصبح الغائب

أحيانًا أشد حضورًا

من أولئك الذين يمرون بجانبنا

ولا نراهم؟

 

أنت تأخذ الإنسان

من العالم

 

ثم تكتشف متأخرًا

أنك لم تستطع

أن تأخذه من الإنسان

 

٥  )

 

أيتها الوجوه التي عبرت

إلى الضفة الأخرى من الوجود

 

ما زلتم هنا

في رائحة البيت

حين يهبط المساء.

 

في الستارة

التي ما زالت تعرف حركة أيديكم

 

في كتابٍ

لم نجرؤ على فتحه منذ رحيلكم.

 

في دعاء أمٍّ

ترفع يديها إلى السماء

ثم تسكت طويلًا

عند الاسم

 

في ضحكة أب

اختفت من الغرفة

لكنها بقيت

في جدار الذاكرة

 

في صوت صديق

لم يعد يصل

لكن القلب

ما زال يترك له مكانًا

في آخر الحديث

 

في أغنية

كنت أسمعها معكم

فأغلقها الآن

قبل أن تبلغ نهايتها؛

 

فبعض النهايات

أكثر قسوة

من الموت نفسه.

 

٦  )

 

أعرف

أن الموت حق.

لكن القلب

ليس تلميذًا جيدًا للحقيقة.

 

العقل

يقول:

لقد رحلوا.

 

والقلب،

ذلك الكائن البدائي

الذي لا يعترف بقوانين الزمن،

يقول:

ربما يعودون

 

ولهذا

نترك نافذةً مفتوحة

لمن أغلق الموت

وراءه كل النوافذ

 

نحتفظ بمفتاح

لبابٍ لم يعد وراءه بيت

 

نضع ملابسهم

في أماكنها

 

نحتفظ بأرقامهم

في الهاتف

 

نؤجل حذف رسائلهم

نخاطبهم سرًا

ثم نخجل من أنفسنا

 

لا لأننا نجهل الموت،

بل لأن المحبة

حين تبلغ أقصى درجاتها

تفقد قدرتها

على تصديق الغياب.

 

٧  )

 

وحين يأتي الليل

حين تنسحب ضوضاء العالم

ويصبح الإنسان

وجهًا واحدًا

أمام نفسه

 

أجلس وحدي

وأحصي الذين

أخذهم الموت من يدي

 

واحدًا

ثم آخر

ثم آخر

 

حتى أشعر

أنني لم أعد أحصي الموتى،

بل أحصي الأجزاء

التي ماتت فيَّ

برحيلهم

 

كلما كثر الذين غابوا

صرت أصغر

 

كأن الإنسان

لا يكبر بالعمر

 

بل بما يفقد

 

٨  )

 

ثم أرفع عيني إلى السماء

وأقول :

 

يا رب

إن كانت الأرض

قد ضاقت بهم

فوسّع عليهم رحمتك

 

وإن كانت أعيننا

قد عجزت عن بلوغهم،

فلا تجعل أرواحنا

عاجزةً عن محبتهم

 

وإن كان الموت

قد أقام بيننا حجابًا

لا تستطيع اليد أن تخترقه،

فاجعل أرواحنا

تلتقي بأرواحهم

في موضعٍ

لا يعرف المسافة،

ولا الزمن،

ولا الفقد

 

اجعل لهم

من رحمتك

ما يكفي ليغفر للأرض

قسوتها

 

٩  )

 

أما نحن

فسنمضي

سنستيقظ غدًا

سنفتح النوافذ

سنشتري الخبز

سنذهب إلى أعمالنا

سنصافح الذين لم يعرفوا

أن شيئًا انكسر فينا

 

سنضحك

سنمزح.

وسنقول،

حين يسألنا أحدهم:

 

كيف حالك؟

بخير

 

وسنكون قد كذبنا

بأدبٍ يليق بالأحياء

 

سنواصل الحياة

كما لو أن شيئًا لم يحدث

 

لكن في مكانٍ ما

داخل أرواحنا

 

سيبقى شيء

واقفًا عند آخر لحظة

رأيناهم فيها

 

عند آخر نظرة

 

آخر كلمة

آخر مصافحة

 

آخر «إلى اللقاء»

التي لم نكن نعرف

أنها ليست وعدًا

بل وداعًا أبديًا.

 

( ١٠  )

 

سيبقى شيء

لا يعرف كيف يموت

 

شيء

أشد عنادًا من التراب

وأبقى من الجسد

وأعمق من الذاكرة

 

شيء

لا يحتاج إلى قبر

كي يبقى

 


مشاهدات 11
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/08/30 - 1:42 PM
آخر تحديث 2026/08/31 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 214 الشهر 41256 الكلي 16130960
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير