الثامن من آب والهوية الوطنية
محمد عبدالرزاق
لدي تساؤل مرير يؤرقني منذ زمن ليس بالقصير ويفرض نفسه: هل تلاشت منّا أدنى مستويات الحس الوطني وحب العراق؟ هذا التساؤل أطرحه على كل ذي غيرة وحميّة
ما دفعني لتجرع هذه المرارة هو الكم الهائل من المنشورات والتعليقات الجارحة التي ترافقت مع ذكرى الثامن من آب 1988؛ اليوم الذي كان ينبغي أن يُقرأ في تاريخنا كمنجز حفظ كيان الدولة وأعاد توازن المنطقة بعد حرب طاحنة ضروس...
بالنسبة لي فإن المرارة والألم، أن هذه الطعنات لم تأتِ من جهلة، فهم لا يهمني أمرهم ولا قولهم فهم يتراوحون بين مضلَلين أو إمعات أو ذيول أو من منافقين ومتملقين، بل تلك الطعنات صدرت عن نخب أكاديمية وعلمية رفيعة عاصرت تلك الحقبة، وعاشت تفاصيلها؛ بل إن العديد منهم لا يخلو بيته أو بيت أقاربه أو جيرانه أو أصحابه من شهيد، أو معاق، أو أسير، أو مفقود ضحى دفاعاً عن هذا التراب الطاهر...
وبدلاً من إجلال هذه التضحيات كركيزة للأمن القومي، نرى اليوم من يعيد توظيف التاريخ للنكاية السياسية وتصفية الحسابات.
ولو نظرنا بعين المقارنة الواعية إلى أشقائنا في مصر، لوجدنا أنموذجاً ناضجاً في الفصل بين المواقف السياسية والرمزية الوطنية فرغم أن حرب تشرين عام 1973 كانت حرب تحريك محدودة ولم تستمر سوى 18 يوماً، ورغم كل الخلافات العميقة التي لحقت بنظام السادات وسياساته والدبلوماسية المثيرة للجدل وتحديدا زيارته لدولة الكيان الغاصب، إلا أن الشعب المصري بكافة أطيافه ظل مجمعاً على قدسية تضحيات المقاتل المصري، واعتبر الحرب عنواناً للكرامة ومقدسا لا يمسّ، لأنهم يدركون غريزياً أن النيل من جيشهم هو تقويض لذواتهم ولتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم وإجمالا لسمعة وطنهم... لا يشخصنون الأحداث والوقائع التي يمر بها الوطن مهما كانت بسلبياتها وايجابياتها...
أما في واقعنا اليوم، فنحن أمام انكسار اجتماعي ونفسي خطير؛ حيث ارتد البعض، وهو غير قليل للأسف، من فضاء الوطن الجامع إلى خنادق الطائفة، والمذهب، والعرق وحين تتقدم هذه الانتماءات الضيقة، يختل ميزان الولاء، ليصبح المرء مستعداً لتمجيد الأجنبي وموالاة الغريب – ولو كان عدو الأمس – نكاية بالقريب، شريكه في الأرض وابن جلدته، الذي بات يراه فجأة كأنه التهديد الأكبر!
هذا الانقسام لا يقف عند حدود السجال على الإنترنت وعبر وسائل التواصل الأخرى، بل يمتد ليضرب مستقبل الدولة وسيادتها في مقتل.
الولاء للخارج يرهن القرار الوطني بيد القوى الإقليمية، ويحول مؤسسات الدولة إلى ساحة محاصصة وغنائم بدلاً من الإعمار والكفاءة والأخطر من ذلك، أن التشكيك في تضحيات جيشنا يضعف عقيدته العسكرية، ويفتح الباب لبروز قوى موازية تبتلع هيبة الدولة وسلاحها الشرعي، لينتهي بنا المطاف في نسيج مجتمعي ممزق يملؤه الشك والعداء.
المجتمعات التي تقع في فخ الطائفية أو العرقية فتمجد من استباح أرضها على حساب أبنائها، تفقد مناعتها وتظل ساحة مستباحة للاختراق والاستعباد.
إن العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة، وإعلاء رابطة الدم والانتماء الى الأرض على كل مذهب وطائفة، لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً نردده، بل هو طوق النجاة الوحيد لإنقاذ مستقبل هذا الوطن وحفظ سيادته من الضياع.
هنا أود أن أذكر بأن يوم 8888 لي معه ذكرى شخصية خاصة مازال لها أثر في جسدي، حيث اصبت في هذا اليوم العظيم لأبقى حاملا ذكرى ذلك اليوم الغالي معي ما حييت.