الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مستويات العقل العربي

بواسطة azzaman

مستويات العقل العربي

جبار فريح شريدة

 

يُقاس رقيُّ العقل ليس بما يمتلكه الإنسان من معلومات، وإنما بالطريقة التي ينظر بها إلى الحياة، وبالمستوى الذي ينشغل به في حديثه وتفكيره. ومن هنا يمكن أن نتساءل: أين يقع العقل العربي اليوم؟ هل هو في المستوى الراقي الذي يتحدث عن الأفكار، أم في المستوى المتوسط الذي ينشغل بالأحداث، أم في المستوى الصغير الذي يتحدث عن الناس؟

إن العقل الراقي هو الذي يتجاوز الأشخاص والأحداث ليصل إلى الأفكار والمبادئ والقضايا الكبرى. فهو لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ ومن فعل ذلك؟ وإنما يسأل: لماذا حدث؟ وما أسبابه؟ وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه؟ وكيف يمكن أن نتعلم منه؟ هذا العقل يبحث عن المعرفة، ويناقش الأفكار، ويقبل الاختلاف، ويهتم ببناء المستقبل بدل البقاء أسيرًا للماضي.

أما المستوى المتوسط من التفكير، فيتمثل في الانشغال بالأحداث. وهذا المستوى ليس سلبيًا في ذاته؛ فالاهتمام بما يحدث في المجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة أمر ضروري. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الإنسان إلى مجرد متابع للأخبار، يستهلك الأحداث دون أن يحاول فهم جذورها أو تحليل أسبابها. فيعرف ماذا حدث، لكنه لا يبحث بعمق عن لماذا حدث ولا عن كيفية تغييره.

أما المستوى الأدنى، فهو الانشغال بالناس: من قال؟ ومن فعل؟ ومن أخطأ؟ ومن نجح؟ ومن فشل؟ وهنا يصبح الحديث قائمًا على الأشخاص، وقد يتحول إلى نميمة وغيبة وأحكام سريعة، فيضيع الوقت في متابعة حياة الآخرين بدل تطوير الذات أو مناقشة القضايا المهمة. وكلما ازداد اهتمام الإنسان بأخطاء الناس وتفاصيل حياتهم، قلَّ اهتمامه ببناء أفكاره وشخصيته.

ولعل المشكلة لا تكمن في العقل العربي وحده، وإنما في البيئة الثقافية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى متابعة الأشخاص والأحداث أكثر من اهتمامه بصناعة الأفكار. فوسائل التواصل الاجتماعي، مثلًا، جعلت الأخبار والشائعات وتفاصيل حياة المشاهير حاضرة في كل لحظة، وأصبح من السهل أن يقضي الإنسان ساعات في متابعة ما يفعله الآخرون دون أن يضيف ذلك شيئًا حقيقيًا إلى وعيه.

ومع ذلك، لا يجوز أن نحكم على العقل العربي كله بأنه يقع في مستوى واحد؛ ففي عالمنا العربي مفكرون وباحثون ومبدعون ينتجون أفكارًا عميقة ويسهمون في المعرفة الإنسانية. لكن التحدي الحقيقي هو أن يتحول التفكير في الأفكار من ممارسة فردية محدودة إلى ثقافة عامة تسود في الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمجتمع.

إن الانتقال من الحديث عن الناس إلى الحديث عن الأحداث، ومن الأحداث إلى الأفكار، هو في جوهره رحلة في تطور الوعي. فكلما ارتفع الإنسان في تفكيره، قلَّ انشغاله بالأشخاص لذواتهم، وازداد اهتمامه بما وراء الأحداث من أسباب وقوانين وأفكار.

 يمكن القول إن رقي العقل لا يُقاس بعدد ما نعرفه من أخبار، ولا بعدد الأشخاص الذين نتابعهم، وإنما بقدرتنا على الفهم والتحليل والنقد وصناعة الأفكار. فالمجتمع الذي يتحدث أفراده عن الأشخاص يستهلك نفسه، والذي يتحدث عن الأحداث يصف واقعه، أما المجتمع الذي يتحدث عن الأفكار فهو مجتمع قادر على صناعة مستقبله. ولذلك فإن الارتقاء بالعقل العربي يبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: هل نكتفي بأن نعرف ما يحدث، أم نريد أن نفهم لماذا يحدث وكيف نصنع ما سيحدث؟

 


مشاهدات 38
الكاتب جبار فريح شريدة
أضيف 2026/08/18 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/08/19 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 20808 الكلي 16110512
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير