من الذاكرة العربية.. منى واصف
فنانة تتجاوز الزمن وتحضر في وجدان الأجيال
صالح رضا
هناك وجوه لا تنتهي حكايتها بانتهاء المشهد، ولا تغيب عن الذاكرة بانتهاء العمل الفني، لأنها استطاعت أن تتجاوز حدود الدور والشخصية لتصبح جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.
ومن هذه الوجوه العربية الفنانة السورية منى واصف، واحدة من أبرز الممثلات في تاريخ الدراما السورية والعربية، وصاحبة مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقلت خلالها بين المسرح والسينما والتلفزيون، وقدمت عشرات الشخصيات التي بقي بعضها حاضراً في وجدان المشاهد العربي.
ولدت واصف في دمشق عام 1942، وبدأت طريقها الفني في سنوات مبكرة، فالتحقت بالمسرح العسكري عام 1960، ومن هناك بدأت رحلة طويلة صنعت خلالها اسماً مميزاً في عالم التمثيل. وكان المسرح مدرستها الأولى التي صقلت موهبتها ومنحتها القدرة على بناء الشخصية والتعبير عنها بعمق.
من أهم المحطات في مسيرتها مشاركتها في الفيلم التاريخي الشهير الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، حيث أدت شخصية هند بنت عتبة.
وكان «الرسالة» أكثر من فيلم سينمائي؛ فقد كان عملاً عربياً ذا حضور عالمي، تناول مرحلة مهمة من التاريخ الإسلامي، ووصل إلى جمهور واسع خارج العالم العربي. وقد منحت منى واصف شخصية هند حضوراً قوياً، وجعلت من الدور واحدة من أبرز محطاتها السينمائية.
فهي لم تكن تؤدي الشخصية بطريقة سطحية، وإنما حملت إلى الشاشة قوتها وانفعالاتها وتحولاتها، وهو ما جعل الدور يبقى عالقاً في ذاكرة المشاهد.
ومن الأعمال المهمة في مسيرتها أيضاً مسلسل «الخنساء» الذي عرض عام 1977، وأدت فيه شخصية الشاعرة العربية تماضر بنت عمرو، الخنساء.
كان العمل من الأعمال التاريخية العربية المهمة، وشارك فيه عدد من الفنانين العرب، ومن بينهم الفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي الذي أدى دور صخر بن عمرو بن الشريد.
ومع مرور السنوات، واصلت واصف حضورها في الدراما السورية والعربية، حتى جاءت مشاركتها في مسلسل «باب الحارة»، الذي حقق انتشاراً جماهيرياً واسعاً في العالم العربي.
إن ما يميز واصف ليس عدد الأعمال التي قدمتها فقط، وإنما قدرتها على الاستمرار والتجدد.فقد عملت مع أجيال مختلفة من المخرجين والممثلين، وانتقلت بين الشخصيات التاريخية والاجتماعية والشعبية، وظلت قادرة على الوصول إلى الجمهور حتى في الأعمال الحديثة، ومن بينها مسلسل «الهيبة» الذي عرّف بها جيلاً جديداً من المشاهدين.
وهنا تكمن قيمة تجربتها الحقيقية؛ فهي لم تكن نجمة مرحلة وانتهت، وإنما فنانة استطاعت أن تعبر الزمن، وأن تبقى حاضرة في وجدان أكثر من جيل.
وقد حظيت خلال مسيرتها الطويلة بالعديد من الجوائز والتكريمات، ومن أبرزها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2009، إلى جانب تكريمات وجوائز عن مسيرتها وأعمالها في عدد من المهرجانات العربية.
الوجه الذي اختارته الريشة
ومن موقع الفنان التشكيلي، أجد في منى واصف واحداً من تلك الوجوه التي تحمل تاريخاً طويلاً من التجربة.فالوجه بالنسبة إلى الرسام ليس مجرد ملامح وخطوط؛ إنه ذاكرة، ونظرة، وتعبير، وظلال من الحياة التي عاشها الإنسان.وفي ملامح منى واصف شيء من الشخصيات الكثيرة التي قدمتها، شيء من المسرح والسينما والتلفزيون، وشيء من الزمن الذي عبرته وهي ما تزال واقفة أمام الكاميرا بحضورها الخاص.
وحين رسمتُ بورتريه واصف، لم أرسم ممثلة سورية كبيرة فحسب، وإنما حاولت أن ألتقط شيئاً من ذلك الحضور الذي جعل وجهها مألوفاً لدى ملايين المشاهدين العرب.لقد انتقلت شخصياتها من الشاشة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة انتقل وجهها إلى اللوحة. وهنا يلتقي الفن بالفن؛ فالكاميرا حفظت حضورها في الصورة المتحركة، والريشة تحفظه في الصورة الثابتة.
وهذا هو جوهر «وجوه من الذاكرة العربية»؛ أن نستعيد وجوهاً صنعت أثراً في حياتنــــــــا الثقافية والفنية، ونمنحها مكــاناً جديداً في الذاكرة من خلال الريشة واللون.
منى واصف... ليست مجـــرد ممثلة ســورية كبيرة، بل وجه عربي عبر الزمن، وحضور فني أصبح جزءاً من ذاكرة أجيال، واسم يستحق وجوه من الذاكـــــــــرة العربية.