خطورة المسيّرات في الحرب الروسية الأوكرانية
غزاي درع الطائي
يمكن القول بلا تردد إن الطائرات المسيرة قد غيرت الاستراتيجيات العسكرية، ووضعت مسارات التعبئة بنوعيها الدفاعية والهجومية على طرق جديدة، وأصبح الاستخدام الواسع لهذه الطائرات علامة فارقة في الصراعات الحديثة، وغدت هذه الطائرات السمة البارزة في العصر الجديد للعمليات الحربية، والأداة الحربية التي أحدثت تحولا جبارا وجوهريا في ميادين المعارك، ومن بين الأسباب التي جعلت الطائرات المسيرة تحوز كل هذه المزايا، هي سعة الأغراض التي يمكن أن تُستخدم فيها، والتي تشمل الاستطلاع وجمع المعلومات، ومقاومة التشويش، والدفاع الجوي، وتحقيق الضربات الخارقة، والضربات بعيدة المدى في العمق السوقي، فضلا عن قدرتها على المناورة، ومن اللافت أنها تتميز بحجمها الصغير وخفة وزنها وانخفاض تكاليفها بالمقارنة مع كلف الطائرات والصواريخ، وهناك مسألة جوهرية في هذا المجال هي أن بالإمكان تصنيعها بكميات كبيرة جدا تفي المتطلبات الميدانية وحاجة ساحة الحرب، وهي اليوم تعد السلاح الذي لا يستغني عنه أي جيش من الجيوش في العالم، لقد تكلمت الطائرات المسيرة بأعلى صوتها، فيما سكتت أو خفتت أصوات الكثير من الأسلحة التي كانت الصوت الأعلى في كل الحروب.
ومنذ الأول من حزيران الماضي، دخلت الحرب الروسية الأوكرانية التي اشتعلت في شباط 2022، مرحلة خطيرة من التصعيد، تمثلت في الاستخدام الكثيف وغير المسبوق للطائرات المسيرة من كلا الجانبين المتحاربين، وقد نشرت وكالة ريا نوفوستي الروسية بالاستناد إلى البيانات الرسمية لوزارة الدفاع الروسية، إلى أنه خلال الفترة الممتدة من الأول من شهر كانون الثاني الماضي حتى 16 آب الجاري، تم تدمير (101868) طائرة مسيرة أوكرانية، وتظهر البيانات أن أكبر عدد من الطائرات المسيرة تم إسقاطها في حزيران الماضي، فقد وصل العدد إلى (21537) طائرة، فيما بلغ عدد الطائرات المسيرة المسقطة في تموز الماضي (17711) طائرة، وخلال الأيام الـ 16 الأولى من شهر آب الجاري تم إسقاط (16459) طائرة مسيرة، أما العدد القياسي اليومي، فقد تم تسجيله في 16 آب الجاري، إذ تم إسقاط (1478) طائرة مسيرة، وتشير البيانات إلى تصاعد أنشطة المسيرات الأوكرانية في آب الجاري، إذ كان من بين أكبر المعدلات اليومية، فقد تم إسقاط (1328) مسيرة في الخامس عشر منه، و(1158) مسيرة في الثاني منه، و(1155) مسيرة في الأول منه، و(1150) طائرة مسيرة في الثالث عشر منه، وهذه الأرقام الكبيرة تشير إلى الحجم الكبير للطائرات المسيرة المستخدمة في الحرب، وبالمقابل فإن أرقاما كبيرة للطائرات المسيرة استخدمتها روسيا ضد أوكرانيا، وأن أسلحة الدفاع الجوي الأوكرانية قد أسقطت منها أعدادا لا يُستهان بها، فالاستخدام الكبير لا يقتصر على جانب واحد بل يشمل الجانبين، وكذلك جانب مواجهة الطائرة المسيرة المطلقة من كل جانب. إن أي مراقب لما يجري لا يمكن أن يمر مر الكرام على هذه البيانات، بل لا بد له من أن يتوقف مليا أمام هذه الأرقام الكبيرة للطائرات المسيرة المستخدمة والتي وصلت إلى الآلاف، وأن يخرج بمؤشرات تستطيع تلخيص الوضع الذي وصلنا إليه اليوم، والذي يتمثل بالاستخدام الواسع للطائرات المسيرة في الحرب الروسية الأوكرانية، وبالأهمية الكبرى التي بلغتها في هذه الحرب، إذ أصبحت بمثابة رأس السيف الضارب في العمليات الهجومية (في ساحة العمليات التعبوية أو في العمق الاستراتيجي)، وقد جاء هذا الاستخدام الواسع لنجاحها في تأدية الواجبات الحربية، من دون الحاجة إلى المجازفة بأرواح المقاتلين، كما كان يحصل في الحروب عادة، وقد امتد استخدامها ليشمل ضرب العمق المقابل، وضرب سفن تصدير البضائع، كما حصل في ضرب السفن في البحر الأسود، واستهداف الإمدادات والمنشآت النفطية والموانئ وغيرها، علما أن كلا من روسيا وأوكرانيا لهما قدرة واسعة على تصنيع الطائرات المسيرة وتطويرها فضلا عن إطلاقها، واليوم تتجه الأنظار إلى الطائرات المسيرة وتحرص الدول شرقها وغربها على امتلاك هذا السلاح الخطير.