الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التدرّجُ الوظيفيُّ بينَ سيادةِ القانونِ والاستثناءاتِ

بواسطة azzaman

عندما تفقدُ العناوينُ والألقابُ معناها

التدرّجُ الوظيفيُّ بينَ سيادةِ القانونِ والاستثناءاتِ

محمد خضير الانباري

 

      لم تعدِ الوظيفةُ العامةُ مجردَ عنوانٍ يُمنح، ولا لقبًا يُضافُ إلى اسمِ صاحبِه، ولا درجةً وظيفيةً يمكنُ الوصولُ إليها بقرارٍ استثنائي، فالوظيفةُ العامةُ في الدولةِ الحديثةِ منظومةٌ متكاملةٌ من القواعدِ والشروطِ والخبرةِ والتدرّجِ والمسؤوليةِ، وكلُّ عنوانٍ وظيفيٍّ أو علميٍّ يفترضُ أن يكونَ انعكاسًا لمسارٍ مهنيٍّ حقيقيٍّ تراكمتْ خلالَهُ المعرفةُ والممارسةُ والخبرةُ، فعندما تنفصلُ العناوينُ والألقابُ عن هذا المسارِ، فإنها تفقدُ جزءًا كبيرًا من معناها وقيمتِها، ويتحوّلُ التدرّجُ الوظيفيُّ من نظامٍ يضمنُ العدالةَ والكفاءةَ إلى مجردِ وسيلةٍ للمجاملةِ أو الاستثناءِ أو المعالجةِ الآنيةِ لبعضِ الحالاتِ.

     تضعُ العديدُ من الدولِ تشريعاتٍ واضحةً للتوظيفِ والترقيةِ ومنحِ العناوينِ الوظيفيةِ والألقابِ العلميةِ، وتربطُها في الغالبِ بعناصرَ موضوعيةٍ، مثلَ المؤهلِ العلميِّ، والعمرِ، وسنواتِ الخدمةِ، والخبرةِ، والكفاءةِ، وطبيعةِ المسؤولياتِ التي مارسَها الموظفُ، ربما هذه الشروطَ لم تُوضعْ اعتباطًا، فالخبرةُ لا تُختزلُ في الشهادةِ وحدَها، والممارسةُ العمليةُ لا يمكنُ أن تُستبدلَ بقرارٍ إداريٍّ، كما أنَّ المسؤوليةَ لا تُكتسبُ بمجردِ منحِ صاحبِها عنوانًا وظيفيًّا أعلى، وهذا هوَ النهجُ الذي كرّسَهُ قانونا الخدمةِ المدنيةِ والملاكِ العراقيانِ لعامِ 1960، إلى جانبِ مجموعةٍ من القوانينِ الخاصةِ التي تنظّمُ شؤونَ بعضِ الوزاراتِ والمؤسساتِ وفقَ طبيعةِ اختصاصاتِها ومتطلباتِها.

     من الطبيعي، أن يبدأ الموظفُ مسيرتَهُ المهنيةَ بعنوانٍ وظيفيٍّ معيّن، ثم يتدرّجُ إلى عناوينَ أعلى كلما تراكمتْ خبرتُهُ، وثبتتْ كفاءتُهُ، واتّسعتْ مسؤولياتُهُ، فهذا التدرّجُ هو الذي يمنحُ العنوانَ الوظيفيَّ قيمتَهُ ومضمونَهُ الحقيقيَّ، أمّا تجاوزُ مراحلِ السلمِ الوظيفيِّ، والانتقالُ مباشرةً إلى منتصفِه أو أعلاهُ بموجبِ قوانينَ أو قراراتٍ استثنائيةٍ، من دونِ اكتسابِ الخبرةِ والممارسةِ التي يفترضُها العنوانُ، فقد يحقّقُ منفعةً فرديةً آنيةً، لكنه قد يتركُ آثارًا سلبيةً على كفاءةِ المؤسسةِ وهيبتِها، وعلى مبدأِ تكافؤِ الفرصِ، وعلى مفهومِ الوظيفةِ العامةِ ذاتِه.

      هناك عناوينُ وظيفيةٌ ومهنيةٌ ، لا يمكنُ منحُها لشخص ما بقرارٍ إداريٍّ أو بتسميةٍ مجرّدةٍ، مجرد ظهوره كناشط أو ناقد في قناة فضائية، لأنها ترتبطُ بمسارٍ مهنيٍّ وعلميٍّ طويلٍ، وتخضعُ لشروطٍ وضوابطَ دقيقةٍ. فمهنٌ مثلُ: الطبِّ، القضاءِ، التدريسِ الجامعيِّ، والعملِ الدبلوماسيِّ، لا تُكتسبُ بمجردِ صدورِ أمرٍ وظيفيٍّ، وإنّما تتطلبُ استيفاءَ مجموعةٍ من الشروطِ والمعاييرِ، من بينها سنواتُ الخدمةِ والخبرةُ، والامتحاناتُ المهنيةُ، والدوراتُ التدريبيةُ، والبحوثُ العلميةُ، والنشاطاتُ التخصصيةُ، فضلًا عنِ التقييمِ المستمرِّ للكفاءةِ والأداءِ.

      إنَّ الانتقالَ من عنوانٍ وظيفيٍّ إلى عنوانٍ أعلى ليسَ مجردَ ترقيةٍ إداريةٍ أو تغييرٍ في المسمّى الوظيفيِّ، وإنّما هوَ استحقاقٌ مهنيٌّ وعلميٌّ يتدرّجُ فيهِ الموظفُ أو صاحبُ المهنةِ وفقَ معاييرَ محددةٍ، بعدَ أنْ يثبتَ أهليّتَهُ وكفاءتَهُ وقدرتَهُ على تحمّلِ مسؤولياتِ العنوانِ الأعلى. إنَّ الاستثناءَ لمعالجةِ الضررِ لا ينبغي أنْ يتحوّلَ إلى طريقٍ بديلٍ للقانونِ؛ فمعالجةُ الضررِ تكونُ بالتعويضِ أو الوسائلِ القانونيةِ المناسبةِ، لا بمنحِ عنوانٍ وظيفيٍّ لا يعكسُ المسارَ المهنيَّ والخبرةَ الفعليةَ لصاحبِه، لأنَّ القرارَ الإداريَّ قد يمنحُ العنوانَ، لكنهُ لا يستطيعُ أنْ يصنعَ سنواتِ الخبرةِ التي يفترضُ أنْ يمثّلَها ذلكَ العنوانُ.

     من هنا، تظهرُ أهميةُ الفصلِ بينَ جبرِ الضررِ وإعادةِ تشكيلِ السلمِ الوظيفيِّ؛ فالمشكلةُ تبدأُ عندما يصبحُ الاستثناءُ قاعدةً، وعندما تتكرّرُ الاستثناءاتُ إلى درجةٍ تصبحُ معها القاعدةُ هيَ الاستثناءُ، والاستثناءُ هوَ القاعدةُ. فإذا أصبحَ من الممكنِ تجاوزُ شروطِ العمرِ أو الخبرةِ أو سنواتِ الخدمةِ أو متطلباتِ التدرّجِ بموجبِ قراراتٍ أو قوانينَ خاصةٍ، فإنَّ الموظفَ الذي التزمَ بالنظامِ سنواتٍ طويلةً قد يشعرُ بأنَّ التزامَهُ لم يعدْ ذا قيمةٍ، وأنَّ الطريقَ الذي سلكَهُ وفقَ القواعدِ لم يعدْ هوَ الطريقَ الوحيدَ للوصولِ إلى الاستحقاقِ الوظيفيِّ.

وهنا تبدأُ مشكلةٌ أعمقُ من مجرّدِ خلافٍ على عنوانٍ وظيفيٍّ؛ إنّها مشكلةٌ في الثقةِ بالنظامِ الإداريِّ ذاتِه. فالموظفُ الذي قضى سنواتٍ طويلةً في العملِ، واكتسبَ خبرتَهُ مرحلةً بعدَ أخرى، قد يتساءلُ: ما قيمةُ سنواتِ الخدمةِ إذا كانَ بالإمكانِ تجاوزُها بقرارٍ استثنائيٍّ؟ وما قيمةُ التدرّجِ إذا كانَ الوصولُ إلى الدرجةِ نفسِها ممكنًا من طريقٍ آخرَ؟

وعندما تنتشرُ هذه القناعةُ داخلَ المؤسساتِ، فإنّها تضعفُ الانضباطَ، وتقلّلُ الحافزَ على تطويرِ الخبرةِ والالتزامِ بالمسارِ المهنيِّ. فالخبرةُ ليستْ رقمًا في ملفِّ الخدمةِ، ومنَ الأخطاءِ الشائعةِ النظرُ إليها باعتبارِها مجرّدَ عددٍ من سنواتِ الخدمةِ يمكنُ اختصارُها أو استبدالُها. فالخبرةُ المهنيةُ الحقيقيةُ تتكوّنُ من تراكمِ المواقفِ والقراراتِ والأخطاءِ والتجاربِ، ومن التعاملِ مع الناسِ والأزماتِ والملفاتِ المعقّدةِ، ولهذا فإنَّ بعضَ الوظائفِ، ولا سيّما الوظائفَ القياديةَ، تحتاجُ إلى خبرةٍ عمليةٍ متدرجةٍ لا يمكنُ الحصولُ عليها بمجرّدِ امتلاكِ مؤهلاتٍ أكاديميةٍ متميزةٍ.

      إنَّ قوانينَ التوظيفِ والترقيةِ والتقاعدِ، ينبغي أن تكونَ مستقرةً قدرَ الإمكانِ، وأنْ تكونَ الاستثناءاتُ محدودةً جدًّا، ومبرّرةً بضروراتٍ حقيقيةٍ، لا أنْ تتحوّلَ إلى وسيلةٍ لإعادةِ ترتيبِ المساراتِ المهنيةِ لأشخاصٍ أو فئاتٍ بعينِها. كما ينبغي أنْ تكونَ أيُّ معالجةٍ للحالاتِ الاستثنائيةِ منسجمةً معَ المبادئِ العامةِ للقانونِ، وألّا تؤدّيَ إلى إلغاء قيمةِ الشروطِ التي وُضعتْ أصلًا لحمايةِ الوظيفةِ العامةِ وضمانِ كفاءتِها. فالقانونُ الجيّدُ لا يحمي الموظفَ الموجودَ فقط، وإنّما يحمي أيضًا الموظفَ الذي سيأتي بعدَهُ.

     من هنا، فإنَّ العنوانَ الوظيفيَّ مسؤوليةٌ قبلَ أن يكونَ امتيازًا؛ فهوَ ليسَ مكافأةً شخصيةً فحسب، ولا لقبًا يُضافُ إلى اسمِ صاحبِه، بل هوَ دلالةٌ على مستوىً معيّنٍ من المسؤوليةِ والكفاءةِ والخبرةِ. وعندما يحملُ شخصٌ عنوانًا يُفترضُ أن تكونَ وراءَهُ سنواتٌ طويلةٌ منَ الممارسةِ والخبرةِ، بينما لم يمرَّ بالمسارِ الذي يؤهّلُهُ لشغلِه، فإنَّ المشكلةَ لا تتعلّقُ بالعنوانِ نفسِه فقط، بل تمتدُّ إلى المسؤولياتِ التي قد ترتبطُ بهِ، والقراراتِ التي قد يتّخذُها صاحبُهُ، وما قد يترتّبُ عليها من آثارٍ في أداءِ المؤسسةِ وكفاءتِها.

      إنَّ الحفاظَ على قيمةِ العناوينِ الوظيفيةِ ليسَ تمسّكًا شكليًّا بالمسمياتِ، وإنّما هوَ في الحقيقةِ حفاظٌ على كفاءةِ المؤسساتِ، وصونٌ لمبدأِ الاستحقاقِ، وترسيخٌ للثقةِ بالنظامِ الإداريِّ، وضمانٌ لأنْ يكونَ كلُّ عنوانٍ وظيفيٍّ معبّرًا عن الكفاءةِ والخبرةِ والمسؤوليةِ التي يفترضُ أنْ يحملَها صاحبُهُ.

 


مشاهدات 46
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/08/18 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/08/19 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 20810 الكلي 16110514
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير