الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطائفي ورواية «العمى»


الطائفي ورواية «العمى»

زيد علي الشمري

 

اليوم، وبعد أكثر من شهر تقريبًا، أكملت رواية «العمى» للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو.

هذه ليست رواية عن فقدان البصر بالمعنى البسيط للكلمة، بل رواية تفتح أمام القارئ أسئلة وجودية وفلسفية عن الإنسان والمجتمع، عن الخير والشر، وعن مقدار ما يمكن أن يتغير الإنسان عندما تنهار القوانيين التي تنظّم حياته.

وأنا أقرأ الرواية، ومع كل صفحة جديدة والأسئلة التي تطرحها، وجدت نفسي أعود إلى أحداث عشتها وعاشها العراقيون بعد عام 2003، وخصوصًا سنوات الطائفية التي أصبح فيها الإنسان يُقتل لا لشيء سوى لانتمائه إلى طائفة أو دين أو قومية، بل أحيانًا لمجرد أن اسمه لم يعجب الطرف الآخر.

لمن لم يولد في تلك الفترة، أو كان صغيرًا في العمر، أو ربما نسي ما حدث، كان القانون السائد في سنوات الطائفية هو قانون الموت، وكأن قانون الغاب أصبح هو القانون الوحيد.

لكن هناك فرقًا مؤلمًا بيننا وبين الحيوانات؛ فالحيوان قد يقتل من أجل البقاء أو الطعام، أما الإنسان فقد يقتل بدافع الكراهية والعبث، ثم يبحث عن شعار أو مبرر ليقنع نفسه بأنه يفعل الصواب.

والأخطر من القتل نفسه أن تتحول الطائفية إلى صناعة؛ يُصنع الخوف، وتُنشر الكراهية، ويُقسّم الناس إلى «نحن» و«هم»، حتى يتحول الإنسان في لحظة ما إلى وحش، والأسوأ أنه قد يعتقد أنه يدافع عن الحق وهو يرتكب أبشع أشكال الظلم.

وهنا أجد واحدة من أهم أفكار «العمى»: المشكلة ليست في أن يفقد الإنسان بصره، بل أن يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخر.

لا أريد أن أحرق أحداث الرواية لمن لم يقرأها، لكنني سأضيء شمعة صغيرة في الطريق لمن يريد قراءتها.

شخصية زوجة الطبيب، بالنسبة لي، تمثل شيئًا أكبر من مجرد شخصية في الرواية؛ إنها تمثل الإنسانية والحنان والعطف والمسؤولية. هي ترى، بينما يفقد الآخرون بصرهم، وكأن ساراماغو يقول لنا إن الرؤية الحقيقية ليست وظيفة العين، وإنما وظيفة الضمير.

وفي المقابل تظهر شخصية الجشع التي تريد السلطة والسيطرة حتى في أكثر الأوقات قسوة، حين يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى الرحمة والتعاون.

وهنا يصعب على القارئ العراقي ألا يرى شيئًا من واقعه.

ففي أوقات الأزمات، يظهر معدن الإنسان الحقيقي. هناك من يبحث عن إنقاذ الآخرين، وهناك من يرى في خوف الناس فرصة للسيطرة عليهم، وفي الفوضى فرصة لجمع المال والنفوذ.

والمشكلة لا تبدأ عندما يظهر المستبد فقط، بل عندما يجد من يقبل أن يكون أداة في يده.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الطائفية ليس أن تجعل الناس مختلفين، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن تجعل الإنسان يرى المختلف عنه كأنه أقل إنسانية.

وعندما يحدث ذلك، يصبح القتل أسهل، والكراهية مقبولة، والظلم قابلًا للتبرير.

ربما لهذا شعرت وأنا أقرأ «العمى» أن ساراماغو لا يتحدث عن عالم بعيد عنا، بل يضع أمامنا مرآة قاسية، ويترك لنا مهمة النظر فيها.

وفي النهاية، رسالتي إلى أبناء شعبي العزيز:

لا تكونوا حطبًا لشعارات فارغة لا تجلب لكم سوى الموت والدمار. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن كرامتكم أو دينكم أو طائفتكم أو قوميتكم تحتاج إلى اقصاء  آخر كي تبقى.

فالذين يشعلون نار الكراهية قد يربحون السلطة والمال، لكن الذين يدفعون الثمن هم الناس.

وفي كل مرة يتحول فيها الإنسان إلى وقود لصراع لا يملك قراره، يكون الخاسر الحقيقي هو الإنسان نفسه.

وربما يكون السؤال الذي تتركه لنا «العمى» هو:

من الأعمى حقًا؟ من فقد عينيه، أم من يرى بعينيه ولا يرى إنسانية من أمامه؟

**

اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول


مشاهدات 28
الكاتب زيد علي الشمري
أضيف 2026/08/17 - 2:44 PM
آخر تحديث 2026/08/18 - 2:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 150 الشهر 19463 الكلي 16109167
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير