الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفساد... طريق الأمم إلى الهلاك

بواسطة azzaman

الفساد... طريق الأمم إلى الهلاك

ابراهيم الفهداوي

 

قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: 78].

تأتي هذه الآية الكريمة في سياق دعوة نبي الله لوط عليه السلام لقومه، حين خاطبهم بالعقل والحكمة بعد أن غرقوا في المعاصي، واستباحوا المحرمات، وأصروا على الباطل رغم قيام الحجة عليهم. إنها دعوة خالدة إلى أن يكون في كل مجتمع من يقف موقف الرشد، فيمنع الظلم، ويواجه الفساد، ويصون القيم والأخلاق.

لقد جعل الإسلام محاربة الفساد مسؤولية جماعية، لأن انتشاره لا يقتصر ضرره على فئة دون أخرى، بل يمتد ليهدد أمن المجتمع واستقراره ومستقبله. ولهذا حذر القرآن الكريم من الإفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].

إن الفساد، بصوره المختلفة، سواء كان فسادًا ماليًا أو إداريًا أو أخلاقيًا أو اجتماعيًا، يقوض أسس الدولة، ويهدر المال العام، ويضعف الثقة بالمؤسسات، ويؤدي إلى اتساع دائرة الفقر والبطالة والجريمة، ويمنح أصحاب النفوذ غير المشروع مساحة أكبر للتأثير في مقدرات المجتمع.

وعندما يغيب تطبيق القانون، وتضعف الرقابة والمساءلة، يصبح الفساد بيئة خصبة لظهور الجريمة المنظمة، وانتشار المخدرات، والاتجار بالبشر، والاستغلال، وسائر الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع وأمنه. ولذلك أكد القرآن الكريم أن عاقبة الإفساد وخيمة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، وهي آية تؤكد أن الفساد نتيجة لأفعال البشر، وأن الرجوع إلى الحق هو السبيل إلى الإصلاح.

وقد جاءت السنة النبوية مؤكدةً خطورة الظلم والفساد، فقال رسول الله ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». وقال ﷺ: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، وهو تحذير من غياب العدالة والمساواة أمام القانون، لأن ذلك من أسباب انهيار الأمم.

وقال ﷺ أيضًا: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، تأكيدًا على أن مقاومة الفساد مسؤولية أخلاقية ووطنية، كلٌّ بحسب قدرته وفي إطار القانون.

إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإعلاء سيادة القانون، وتعزيز النزاهة، وحماية المال العام، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفق القضاء العادل، وترسيخ قيم الأمانة والعدل، ونشر الوعي الديني والأخلاقي، وحماية الشباب من أسباب الانحراف والجريمة.

ويبقى نداء القرآن يتردد في كل زمان ومكان: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾، وهو نداء لكل صاحب ضمير حي، ولكل مسؤول ومواطن، أن يكون عنصر إصلاح لا عنصر إفساد، وأن يدرك أن الأمم لا تنهض إلا بالعدل، ولا تسقط إلا عندما يستشري فيها الظلم والفساد ويغيب عنها صوت الحق.

 


مشاهدات 39
الكاتب ابراهيم الفهداوي
أضيف 2026/08/04 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 4:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 4751 الكلي 16094455
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير