لم أكن أخاف الظلام.. كنت أخاف ما يأتي بعده
أسامة البدران
كانت في بيتنا ساعة جدارية عجوز، أكبر من أبي، وربما أكبر من البيت نفسه. لم تكن تزين الجدار بقدر ما كانت تحرس الزمن. جسدها الخشبي الداكن يشبه خزائن البيوت البغدادية القديمة، وفي بطنها رقاص نحاسي لا يتعب من التأرجح، كأنه قلب لا يعرف النوم.
كل أسبوع، أو ربما كل أسبوعين، كان أبي يقف أمامها في طقس لا يقل قداسة عن الصلاة.
يفتح بابها الزجاجي.
يخرج مفتاحًا صغيرًا.
ثم يبدأ بتدويره في ثقوب لا أفهم سرها.
كانت الساعة تستجيب له كما تستجيب الفرس لصاحبها.
تدب الحياة فيها من جديد.
ويعود قلبها إلى الخفقان.
تك... تك... تك...
ذلك الصوت كان يملأ البيت كله.
نهارًا لم أكن أسمعه.
أما ليلًا...
فكان يكبر.
حتى أشعر أن البيت لا ينام.
وأن هناك أحدًا يسير في الممرات.
لم أكن أخاف دقاتها.
بل كنت أنتظر...
شيئًا آخر.
في منتصف كل ليلة.
وفي ساعة لا أعرف رقمها.
كانت الساعة...
تتجشأ.
لا أجد وصفًا آخر لذلك الصوت.
لم يكن رنينًا.
ولا دقة.
ولا احتكاك معدن بمعدن.
كان أشبه بكائن عجوز يستيقظ داخل الخشب، ثم يطلق أنينًا طويلًا قبل أن يعود إلى صمته.
ولا أعرف من الذي أقنعني، ولا متى حدث ذلك، أن هذا الصوت إعلان غير مكتوب بأن وقت الأطفال قد انتهى.
ومن بقي مستيقظًا بعده...
صار ملكًا للأشباح.
لم يخبرني أحد بهذا.
ولم أقرأه في كتاب.
لكنني كنت أؤمن به أكثر مما أؤمن باسمي.
ولهذا، كنت كل ليلة، قبل أن يحين موعد ذلك الصوت، أندس تحت اللحاف.
أغلق عيني بقوة.
وأشد أطراف البطانية حتى لا يبقى منفذ واحد تستطيع الأشباح أن تدخل منه.
كنت أظن أن القماش يحمي الإنسان.
ولم أكن أعلم أن الخوف يستطيع أن يدخل من ثقوب لا تراها العين.
ولم أخبر أحدًا بهذا السر...
إلا بعد أربعين عامًا.