سلطة "المكاتب الاقتصادية" وأمن العقاب: لماذا يتمدد غول الفساد في العراق
انتظار العظيمي
لم تعد قضايا الفساد المالي في العراق مجرد أخبار عابرة في نشرات الأنباء
بل تحولت إلى ملفات عاصفة تثير الشارع العراقي بين الحين والآخر. ومع كل كشف جديد عن اختلاسات بمليارات الدولارات
يتردد سؤال جوهري في الأوساط الشعبية والنخبوية:
كيف وصلت الجرائم المالية إلى هذا المستوى من الجرأة؟
وهل باتت منظومة العدالة عاجزة عن الردع؟
يرى مراقبون أن المشهد الحالي لا يمكن اختزاله في تقصير جهة واحدة
بل هو ثمرة "تكامل" بين نفوذ المحاصصة
وثغرات القانون
وسطوة المكاتب الاقتصادية
وصولاً إلى شلل أدوات إنفاذ القانون.
1. نزيف بالأرقام: حجم الكارثة المالية
تظهر التقديرات الرسمية والدولية حجماً مرعباً للأموال المنهوبة منذ عام 2003:
* أكثر من 300 مليار دولار: وهي التقديرات التخمينية للجهات الرقابية والدولية لـ "الأموال المهربة" خارج العراق عبر صفقات وهمية وعمليات غسيل أموال.
* آلاف المشاريع الوهمية: تشير بيانات النزاهة إلى وجود آلاف المشاريع "على الورق فقط" صُرِفت لها موازنات استثمارية ضخمة دون أن يتحقق منها شيء على أرض الواقع.
* قضايا المليارات: كشفت ملفات استقصائية حديثة (مثل قضية "سرقة القرن" وغيرها) عن تسرب مبالغ تتجاوز 2.5 مليار دولار من حسابات هيئة الضرائب وحدها، مما كشف عن هشاشة النظام المصرفي والرقابي أمام الشبكات المعقدة.
1. قاعدة "من أمن العقاب": أزمة القضاء أم إنفاذ القانون؟
في الأعرف السياسية والقانونية، تُعد السلطة القضائية خط الدفاع الأخير عن المال العام. إلا أن توالي قضايا الفساد واختفاء المتهمين أو الإفراج عنهم بكفالات تثير اللغط، جعل الشبهات تدور حول مدى فاعلية الردع.
يقول الخبير القانوني الأستاذ أحمد الشيخلي في تصريح خاص:
> "القضاء العراقي يصدر سنوياً مئات مذكرات القبض وأحكام الاسترداد، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مرحلة التنفيذ. الأجهزة التنفيذية تخضع في أحيان كثيرة لضغوط حيوية، وتصطدم بـ 'خطوط حمراء' تفرضها التوافقات السياسية، مما يؤدي إلى تهريب المتهمين أو تعطيل أوامر القبض بحق المسؤولين النافذين."
1. "المكاتب الاقتصادية".. الفساد المؤسسي المنظم
إذا كان الفساد في الدول التنافسية يأخذ شكل شوائب فردية، فإنه في العراق أخذ طابعاً "مؤسسياً منظمّاً".
فقد خلقت الأحزاب والكتل السياسية ما يُعرف بـ "المكاتب الاقتصادية" داخل الوزارات والهيئات والمنافذ الحدودية. وتعمل هذه المكاتب كشبكات توجيه للمناقصات والعقود الحكومية نحو شركات محددة، مقابل عمولات ونسب مئوية تُدفع مسبقاً، مما يحول أموال الاستثمار والمشاريع الخدمية إلى تمويل مباشر للماكينات السياسية.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور علي الخفاجي:
> "المكاتب الاقتصادية هي المحرك الأساسي للاقتصاد الموازي في العراق. لم يعد الفساد يأتي عبر رشوة تحت الطاولة، بل عبر عمولات رسمية مفروضة بنسب مئوية ثابتة على العقود، وهو ما يفسر رداءة البنية التحتية رغم تخصيص موازنات انفجارية لها."
1. ثغرات التشريع وغياب "من أين لك هذا؟"
على الرغم من وجود مؤسسات رقابية مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، إلا أن الجدار التشريعي ما زال يحتوي على منافذ واسعة للهروب:
* تأخر تفعيل الذمة المالية: تضخم ثروات صغار وكبار الموظفين والسياسيين يمر دون تتبع مالي حقيقي، في ظل ضعف الاتتمة الإلكترونية والتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية لمتابعة حركة الأموال.
* قوانين العفو والمماطلة: استغلال الثغرات الإجرائية وقوانين العفو يمنح الفاسدين "شبكة أمان"، تجعل المخاطرة بالسرقة أمراً مربحاً ما دامت عقوبتها تقتصر على سنوات قليلة دون استرداد كامل الأموال المنهوبة.
1. صراع المصالح: لماذا تطفو الملفات الآن؟
من المفارقات أن كشف ملفات الفساد الضخمة في الفترة الأخيرة لا يعكس بالضرورة استجابة رقابية خالية من الغايات؛ إذ يشير محللون إلى أن "تصفية الحسابات" بين الأطراف المتنافسة باتت المحرك الأساسي لتسريب الوثائق وكشف الفضائح. فالملفات تُفتح وتُغلق أحياناً بحسب بورصة الخلافات والتحالفات السياسية.
كيف يُستعاد الردع؟
إن مواجهة الفساد في العراق لن تتم عبر حلول جزئية أو التضحية بـ "كبش فداء"
من الموظفين الصغار.
إن استعادة هيبة الدولة واسترداد الأموال المنهوبة يستوجبان:
* إبعاد السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية تماماً عن التوافقات والضغوط الحزبية.
* التحول الرقمي الشامل في المعاملات المالية والمنافذ الحدودية لتقليل العنصر البشري والمحاسبة الفورية.
* تغليظ العقوبات وتفعيل استرداد الأصول داخل وخارج البلاد كشرط أساسي لأي تسوية أو حكم قضائي.
بدون هذه الخطوات، ستظل عبارة "من أمن العقاب أساء الأدب" هي العنوان الأبرز لواقع المال العام في البلاد.