المحاكمات العلنية.. بين نص القانون وواقع البث الإعلامي
علي التميمي
تنص المواد 152 و153 .. من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على قاعدة واضحة: «تكون المرافعة والمحاكمة علنية، إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد الخصوم إجراؤها سرية محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة».
هذا النص يجعل العلنية هي الأصل، والسرية هي الاستثناء الذي يجب أن يكون مسبباً ومحدداً. لكن ما يحدث على أرض الواقع يثير سؤالاً يتكرر: إذا كانت الجلسة علنية، فلماذا لا يتم بثها عبر وسائل الإعلام؟
ما المقصود بالعلنية قانوناً؟
العلنية في مفهوم القانون لا تعني «النقل المباشر». معناها أبسط وأعمق في آن واحد. تعني أن أبواب قاعة المحكمة مفتوحة أمام الجمهور، وأمام الخصوم ووكلائهم، وأمام الصحفيين بصفتهم أفراداً من الناس.
الهدف من ذلك دستوري بالدرجة الأولى: إخضاع السلطة القضائية لرقابة الرأي العام، ومنع المحاكمات السرية التي كانت سمة من سمات العهود الاستبدادية، وترسيخ مبدأ أن العدالة يجب أن لا تتحقق فقط، بل يجب أن يُرى أنها تتحقق.
وأين يقع البث الإعلامي من الإعراب؟
هنا مكمن اللبس. البث التلفزيوني أو النقل عبر المنصات الرقمية أو حتى التصوير الفوتوغرافي داخل القاعة لا يدخل ضمن تعريف «العلنية» في المادة 152.
البث مسألة إدارية وتنظيمية بحتة. يخضع لموافقات من مجلس القضاء الأعلى ورئاسة المحكمة المعنية، ويرتبط بضوابط صارمة تهدف إلى حماية سير العدالة: عدم التأثير على الشهود، الحفاظ على هيبة المحكمة، ومنع تحويل المحاكمة إلى عرض إعلامي.
لذلك من الطبيعي جداً أن تجد جلسة «علنية» يحضرها العشرات، لكنها ممنوع تصويرها أو بثها. والعكس غير صحيح، فلا يمكن أن تكون الجلسة سرية ويُسمح ببثها.
*متى تتحول العلنية إلى سرية؟*
حدد المشرع ثلاث حالات رئيسية يجوز فيها للقاضي أن يقرر السرية:
1. *المحافظة على النظام العام*: كقضايا الإرهاب التي قد تُستخدم معلوماتها لأغراض أمنية.
2. *مراعاة الآداب*: كقضايا الجرائم الجنسية أو الأحداث.
3. *حرمة الأسرة*: كقضايا الطلاق والنسب والحضانة.
في هذه الحالات يُصدر القاضي قراراً مسبباً بإغلاق الأبواب، ويُمنع حتى الجمهور من الحضور.
*الخلاصة*
الفرق جوهري. العلنية حق مكفول للشعب بالحضور والمراقبة. أما البث فهو وسيلة تقنية لنقل هذا الحق إلى جمهور أوسع، لكنها وسيلة مقيدة بإذن قضائي.
الخلط بين المفهومين يولد توقعات خاطئة لدى المواطن، ويحمّل القضاء ما لا يحتمل. فالقانون ضمن الشفافية، وترك للقضاء سلطة تنظيم أدوات هذه الشفافية بما يضمن العدالة أولاً.
باحث قانوني