الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكتابة بالتطريز

بواسطة azzaman

الكتابة بالتطريز

كامل عبدالرحيم

 

عندما نعود إلى الصور الأولى للأدب، تأتي إلى الذاكرة صور النشرات المدرسية، ومعها أيضًا تلك المنمنمات الحرفية البكر، مثل محاكاة صورة العلم العراقي أو الفلسطيني، أو رسمة وردة، أو وجه ما، من جيفارا إلى أم كلثوم. وهذا حقًا يقودنا إلى التساؤل عن ماهية الأدب، أو لماذا نكتب؟ وبالنهاية يبقى السؤال: هل الأدب هو محاكاة الواقع، أمفنطزة” (من فنطازيا)، أم تجميل له، وربما تجاوزه (ويكون التجاوز لمحمد الجزائري)؟

كنت أفكر بكل هذا وأنا أقرأ عملًا آخر للروائي طه الشبيب، وقد اطلعت على معظم أعماله. والعمل الأخير هوخاصرة الرغيف، طبعة بغداد، وإصدار دار الشؤون الثقافية.

كنت قد تداولت مع طه الشبيب بشأن أعماله أو أدبه، وقلت له: “أنت تقسو على قارئك، فتفترضه عضوًا في تنظيم سري تقوده أنت، وعلى هذا القارئ فهم الشفرات التنظيمية، وتكاد تكون مكتوبة بلغة مورس”. لم يتغير الأمر وأنا أقرأخاصرة الرغيف، فقسوة الكاتب تبدأ من الجملة الأولى حتى آخر زفرة نفس، عندما تنتهي المهمة الحزبيةومن قال إنها تنتهي؟

كقارئ، أفكر: في أي خانة أضع أدب طه الشبيب، بعيدًا عن مهمته التي أشرت إليها أعلاه؟ بلاغته التي قد تبدو مفتعلة مرة، لتتحول إلى غنائية مرات، وشخصياته المحصورة فيتعبئةعائلية. لا يوجد أبطال منفردون متبطرون، بل عائلة بطلخاصرة الرغيف”: أكثر من عشرة أنفار، بكران، وبهرة، وهاني، وبقية الأخوات، والأخ الصغير إبراهيم.

وجدت أن طه الشبيب يكتب، ليس بالقلم والورقة أو بنقرة على الكيبورد، بل يكتب بإبرة حادة وخيوط ملونة. يكتب على رقعته كمن يطرز، يدخل إبرته في عيونالنمنم، يدخلها ويخرجها بعمل دؤوب وصبور، رغم أنه نافد الصبر، سريع الأنفاس. يذرف دمعه وعرقه لتنتهي لوحته، أو عمله، أو قصته. وقد ترى العمل في النهاية، فيفوتك ما لا نهاية له من غرزات الإبرة في خاصرة الفكرة، لتخرج خبزة العمل ساخنة.

أبعد من النشرات المدرسية، وبما يفيدنا في الاقتراب من ماهية أدب طه الشبيب، نتأمل معمولات السجناء، السياسيين بالأخص، في معتقلاتهم، من أعمال بمواد بسيطة يوفرها لهم أهاليهم في الزيارات، أو السجانون، لبراءة تلك الأعمال وابتعادها عن أي تهمة. لوحات من النمنم، أو مزينات الخياطين الملونة، يقتل المسجونون في تلك الأعمال وقتهم، أو مدد محكومياتهم الطويلة، فتخرج أعمال تعني كثيرًا لذوي السجناء، مثلما تعنيه للسجين نفسه. أعمال لا تقاس بمضمونها، بل بالوقت المكرس لإنتاجها، وبدقة غرزاتها، وهو ما يسميه طه الشبيب بـالسردمقابلالإخبارالمتفشي والسائد في مجمل أعمال الروائيين المعروفين.

من هنا أكاد أصنف أعمال طه الشبيب بأنها تنتمي إلى ما يسمى بـأدب السجون، مثل أعمالالأقدام العاريةلطاهر عبد الحكيم، والفراشةلشريف حتاتة، مع فارق، وهو أنسجنطه الشبيب ممتد، وربما أبدي، مثلما أن ثورته مستمرة، وحتى بلا أهداف، فبالتالي سيكون تنظيمه السري بلا برنامج انتقالي أو أهداف آنية. وبهذا الثلاثي: (السجن، التنظيم السري، الثورة)، وبه فقط، يمكننا قراءة أدب طه الشبيب كعملية معقدة للتحرر والانعتاق من سجون متعددة، بعضها سجون تخصه، وأغلبها سجون هي طبقات مستحيلة، تذكرنا بتلك الهاويات والحفر والمطامير التي دُفن فيهاالمنقذ، أو فكرةالخلاص، مرة كعقاب، ومرة كاختيار.

لكن التصنيف الحقيقي والمنصف لأدبه سيكون، حتمًا، وبرأيي، هو: أدب الكتابة بالتطريز.

 


مشاهدات 31
الكاتب كامل عبدالرحيم
أضيف 2026/08/01 - 2:04 PM
آخر تحديث 2026/08/02 - 3:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 242 الشهر 1446 الكلي 16001151
الوقت الآن
الأحد 2026/8/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير