الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخنادق لا تُعيد الأحلام

بواسطة azzaman

الخنادق لا تُعيد الأحلام

شوقي كريم حسن

 

لم تقتلنا الحروب وحدها، بل قتلتنا السنوات التي قضيناها ننتظر أن تنتهي.في الخنادق، لم تكن الرصاصات وحدها تتربص بنا، بل كانت أعمارنا تُستنزف بصمت. كنا ندفن أحلامنا مع كل طلقة، ونؤجل الحياة إلى موعدٍ لم يأتِ أبداً. وفي السجون، لم تكن القيود على المعاصم، بل على المستقبل كله؛ هناك تعلّمنا أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس الجوع ولا العذاب، بل أن يرى أحلامه تُسلب منه وهو عاجز عن إنقاذها.خرجنا من الخنادق بأجسادٍ تحمل آثار التراب، وخرجنا من السجون بأرواحٍ تحمل آثار العتمة، لكننا لم نخرج كما دخلنا. خرجنا اكبر من أعمارنا، وأكثرَ من أوجاعنا.ظلّت أرواحنا تطارد تلك الأحلام التي تركناها في خنادق الحرب، أو خلف أبواب الزنازين، أو في زوايا البيوت التي غادرناها قسراً. كنا نظن أننا سنعود إليها يوماً، لكننا كلما اقتربنا منها اكتشفنا أنها كانت تبتعد أكثر، حتى غدت مجرد سرابٍ يرافق أعيننا ولا تلامسه أيدينا.ثم استيقظنا متأخرين لنكتشف أننا لم نخسر سنواتٍ فحسب، بل خسرنا أنفسنا . صرنا نعيش بين أنقاض ما تمنيناه، نتأمل بقايا أحلامٍ تحطمت حتى فقدت أسماءها.

صفارات الإنذار

كل ما نبصره اليوم ليس إلا حطاماً لذاكرةٍ كانت عامرة، وأمنياتٍ ذبلت قبل أن ترى النور.ليس أقسى من أن يعيش الإنسان وهو يشعر أنه تأخر عن حياته، وأن العمر مضى وهو يحرس أوطاناً لم تحرس أبناءها، ويدفع أثماناً لم يخترها، ثم يجد نفسه واقفاً أمام مرآة السنوات، فلا يرى سوى وجهٍ أنهكه الانتظار.لم تسرق الخنادق أعمارنا وحدها، بل سرقت قدرتنا على الفرح. صار الضحك يبدو ترفاً، وصارت الطمأنينة خبراً نقرؤه عن الآخرين. اعتدنا أن نستيقظ على صفارات الإنذار، حتى أصبح الهدوء نفسه يثير فينا الريبة، وكأننا لم نُخلق إلا لنترقب الكارثة التالية.في السجون، كانت الأيام تتشابه حتى يفقد الزمن معناه. كنا نعدُّ الشقوق في الجدران، ونحفظ أصوات الأقفال، وننتظر خطى السجّان أكثر مما ننتظر الصباح. هناك أدركنا أن الإنسان قد يُسلب كل شيء، لكنه يظل يقاوم بفكرة صغيرة، بصورة أم، أو باسم حبيب، أو بوعدٍ قطعه لطفل ينتظره خلف الأسوا ر،كبرت البلاد، وصغر أهلها من كثرة الخيبات. صار الوطن خريطةً معلقة على الجدار، أما في الواقع فقد تقاسمه السماسرة، وباعة الشعارات، وتجار الدم، ومن جعلوا من المأساة سلماً يصعدون عليه إلى قصورهم. كانوا يتحدثون عن الوطن، فيما كانوا يبيعون حجارته حجراً حجراً، ويقايضون كرامته بمناصب عابرة.أما نحن، فكنا ندفن أسماء أصدقائنا قبل أن نحفظ ملامح الشيخوخة على وجوههم. لم يمنحهم الزمن فرصة ليكبروا، فظلوا شباباً في الصور، بينما هرمنا نحن من انتظار العدالة.

ثوب العرس

كل قبرٍ كان جزءاً من أعمارنا، وكل نعشٍ كان يحمل شيئاً من أرواحنا، حتى بتنا نسير أحياءً بنصف قلب، ونصف ذاكرة، ونصف يقين.قالوا لنا إن الغد سيكون أجمل، فصدقناهم حتى شاخت الكلمات. قالوا إن التضحيات لن تضيع، فضاعت وبقيت الخطب. قالوا إن الوطن سيكافئ أبناءه، فإذا بالوطن أسيرُ من لا يعرفون معنى الوطن. وما بين وعدٍ وآخر، ضاع جيلٌ كامل وهو ينتظر أن يصبح مواطناً لا رقماً في قوائم الموتى.كم من أمٍ أغلقت الباب وهي تنتظر ولداً لن يعود، وكم من أبٍ مات واقفاً عند نافذة الطريق، وكم من امرأةٍ احتفظت بثوب العرس عشرات السنين لأنه لم تجد من ترتديه له. وكم من طفلٍ كبر وهو لا يعرف من أبيه إلا صورةً باهتة ورائحة بندقية صدئة.نحن أبناء الحروب المتعاقبة، نحمل في صدورنا مقابر لا يراها أحد. كلما ابتسمنا، نهض شهيد من ذاكرتنا. وكلما فرحنا، مرّت أمامنا مدينةٌ احترقت، أو مدرسةٌ تهدمت، أو شجرةٌ يبست وهي تنتظر أصحابها.حين نسأل أنفسنا: ماذا بقي لنا؟ لا نجد سوى أسماءٍ محفورة على الرخام، ورسائل قديمة اصفرّ لونها، ومفاتيح بيوتٍ هُدمت، وأحلامٍ لم تجد فرصة لتصبح حقيقة. أصبح الماضي أثقل من الحاضر، والمستقبل أكثر غموضاً من ليل السجون.لكنهم أخطأوا في أمرٍ واحد.ظنوا أن قتل الأحلام يكفي لإخضاع البشر، ولم يدركوا أن الأحلام قد تموت، أما الذاكرة فلا تموت. وأن المقهورين، مهما طال صمتهم، يتركون للتاريخ شهادةً لا يستطيع المنتصرون تزويرها. فالدم يجف، لكن أثره يبقى في ضمير الأرض، والقبور تصمت، لكنها لا تنسى أسماء من ملأوها ظلماً.

سيأتي يومٌ يقف فيه الأبناء أمام هذا الركام، لا ليسألوا كيف انتصر القتلة، بل كيف حمل الضحايا كل هذا الصبر. وسيعرفون أن أكثر ما خسرناه لم يكن البيوت، ولا المدن، ولا الوظائف، ولا السنوات؛ بل ذلك الإنسان الذي كنا سنكونه لو تُركت أحلامنا تنمو بسلام.

ويظل السؤال معلقاً فوق هذه البلاد:

كم جيلاً ينبغي أن يُدفن، حتى يتوقف الوطن عن دفن أبنائه؟

لا نكتب هذه الكلمات لنستجدي شفقة أحد، ولا لنعلّق هزائمنا على مشاجب التاريخ، بل لنترك شهادةً أخيرة قبل أن يطمرها الغبار. فالأوطان لا تنهض بالنسيان، والذاكرة ليست عبئاً على الشعوب، بل آخر حصونها.

قد ينجح الطغاة في مصادرة الكتب، وإغلاق السجون على الأجساد، وردم الخنادق فوق الأحلام، لكنهم يعجزون عن دفن الحقيقة إلى الأبد. فلكل قبرٍ حكاية، ولكل شهيدٍ اسم، ولكل دمعةٍ موعدٌ مع العدالة، وإن تأخر.نمضي، كما مضى الذين سبقونا، وتبقى الحكاية معلقةً في أعناق الأجيال القادمة؛ إما أن تجعل منها درساً يمنع تكرار المأساة، أو تسمح للمأساة أن ترتدي وجهاً جديداً وتبدأ من جديد.

أما نحن، فلم يعد لدينا ما نخسره سوى هذا الصوت. نتركه شاهداً على زمنٍ خان أبناءه، وعلى وطنٍ كان يستحق حياةً أجمل مما عاشه أهله. وإذا سألنا التاريخ يوماً: ماذا أبقيتم بعد كل هذا الخراب؟

نجيبه بهدوءٍ يليق بالوجع:—أبقينا الكلمة حيّة… لأن الكلمة، حين تعجز البنادق عن حماية الإنسان، تصبح آخر وطنٍ لا يستطيع أحدٌ احتلاله.


مشاهدات 16
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/07/28 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 31457 الكلي 15996583
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير