أكاديمية الشرقية للإعلام تعالج وجع ترك الدراسة مدى الحياة
إكتساب المهارات لمواجهة متطلّبات سوق العمل
أحمد عبد المجيد
باستثناء الدورة الاولى التي اقيمت في دبي، وكانت افتتاحية أكاديمية الشرقية للاعلام، فأني حظيت بمواكبة سلسلة الدورات التي اقيم معظمها في أربيل وبعضها في بغداد والنجف ودبي ايضاً.
ولعل ما يميز دورات هذه الاكاديمية انها تطبيقية مكثفة، يمارس المشاركون فيها احترافيات العمل التلفزيوني ووظائفه الابداعية والرقمية داخل الاستديو، على أيدي خبراء أمضوا جل اعمارهم في الفضاء الاعلامي، كتاباً أو اذاعيين أو مرئيين.
وهذه السمة التي تطبع اكاديمية الشرقية، دون سواها تمنح المشاركين فرصاً تتجلى في اكتسابهم مهارات احترافية متميزة في مستويات الاتصال في طليعتها الصحافة، وتضعهم على الطريق الصائب بعيداً عن لجة الاثارة وخلط المسميات وخرق القواعد الاخلاقية والمبادئ المهنية الوطنية. وقد رأيت بعضاً ممن انخرطوا بالتدريب في دورات الاكاديمية، تستهويهم اغراءات الشهرة أو (الترند) وتخدعهم عناوين الفضاء الرقمي والمكاسب الطارئة فيه، لكنهم بعد انقضاء ايام التدريب يفهمون حدود وطبيعة الحريات الممنوحة للاعلامي، ضمن السقف القانوني والمسؤولية الاخلاقية، ورأيت ان هذا النفر كان محكوماً بالانفلات التأسيسي وبالوهم الذي اشاعته تجربة التعددية الاعلامية في بيئة معقدة كبيئة العراق بعد عام 2003.
والفضيلة الاهم في دورات الاكاديمية ان استوديوهات قناة الشرقية تتفرغ كلياً، من اجل انجاح فرص التدريب الميداني، ويكرس العاملون فيها جهودهم لنقل خبراتهم التقنية الى المشاركين الجدد، من منطلق وحدة الهدف بين مجموعة قنوات الشرقية والاكاديمية، وهي حالة فريدة، تشكو معظم معاهد وكليات الاعلام من عدم تفهم ادارات المؤسسات الاعلامية للأهمية التي ينطوي عليها التدريب، في صقل مواهب الطلبة أو تطويرها ومطابقتها مع المقررات النظرية التي يحصل عليها الطالب طيلة 4 سنوات من الدراسة، وابلغني عميد أحدى كليات الاعلام الحكومية ان مشاريع التدريب تصطدم بفرض المؤسسة الحكومية الوحيدة، رسوماً على كل مدة تدريب وترفض قبول مبدأ المعاونة او التكامل الذي ينطوي عليه تأهيل مخرجات الكليات لسوق العمل.
ومن اجل المقاربة، فأني استذكر حالة نادرة وفرتها جريدة (الزمان) خلال الاعوام 2006 – 2008 لطلبة كلية الاعلام بجامعة بغداد، في ذروة الاحتدام الطائفي والقتل العشوائي، عندما أوعز الاستاذ سعد البزاز لي بفتح مجال العمل لطلبة المرحلتين الثالثة والرابعة للانخراط في العمل اليومي، وأمر بمنحهم رواتب شهرية وهوية الجريدة، أسوة بمنتسبيها الثابتين، ثم زجهم في قطاعات الاخبار في الوزارات. كانت تجربة ذات دلالات عميقة من بينها ان المسؤولية المهنية تلزم المؤسسات الصحفية بتولي تدريب اصحاب الرغبة والمواهب والاستعداد النفسي وتأهيلهم للعمل في بلاط صاحبة الجلالة، وان قنوات الاعلام تحتاج الى الدماء الشابة في تجديد مفاصل قطاعات الدولة كافة، وتوفير سبل العيش الكريم لها.
هذا اذا كان الراغبون ينحدرون من منابت اكاديمية، فماذا بالنسبة للذين يمتلكون فقط الموهبة والرغبة والايمان بتقديم خدمة تنويرية لشعوبهم عبر وسائل الاتصال المختفلة؟ الجواب يكمن في مراكز التدريب، وقد بنيت فكرة تأسيس اكاديمية الشرقية للاعلام، على مبدأ ملهم يتمثل بالدور الممكن ان تؤديه قنوات الشرقية ونظيراتها في الأخــذ بيــــــــــــد الراغبين وتدريبهم، وذلك على يد خبراء اكفـــــــــاء وتوفيــــــر بيئـــــــــــــة مناســــــــبة، كافية ومساعدة، لحصولهم على المهارات اللازمــة التي يخترقـــــــون بها سوق الاعلام، وقد يصلون بواسطتها الى أعلى المراتب، وهو ما حصل في تجربة (الزمان) وما نراه اليوم في تجربة الاكاديمية حيث يطل عبر الشاشات عشرات الحالمين، الذين كانوا في وقت من الاوقات يتمنون ان تغمرهم الاضواء على منصات نشرات الاخبار أو في البرامج الحوارية، وقد تلقفتهم القنوات والاذاعات وملأت بهم الشاشة والمذياع. وبحسب عبارة كتبت على جدران جامعة هارفرد ان (وجع الدراسة لحظة وينتهي، لكن اهمالها خيبة تستمر مدى الحياة). وقد أدرك الاستاذ سعد البزاز، هذه الحقيقة وتطوع لمنع هذا الوجع مدى الحياة عن الذين فاتتهم فرصة الدراسة.