الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي..جواد سليم

بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي..جواد سليم

نحات يمنح العراق وجهاً خالداً

صالح رضا

 

حين شرعت في رسم شخصيات العراق التي تركت بصمتها في الذاكرة الوطنية، وجدت أن من الصعب تجاوز اسم النحات الكبير جواد سليم. فهو ليس مجرد فنان تشكيلي أبدع في النحت والرسم، بل هو أحد المؤسسين الحقيقيين للهوية البصرية للفن العراقي الحديث، وصاحب رؤية استطاعت أن تربط بين حضارة العراق القديمة وروح العصر الحديث، فكان بحق جسراً فنياً امتد من سومر وبابل وآشور إلى بغداد القرن العشرين.

ولد جواد سليم في بغداد عام 1921 في أسرة عرفت بالفن والإبداع، فكانت الموهبة تنمو في بيئة تؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة. ومنذ سنواته الأولى ظهرت لديه قدرة استثنائية على الملاحظة والتعبير، الأمر الذي دفعه إلى دراسة الفن أكاديمياً، ثم إكمال دراسته في عدد من المعاهد الأوربية، حيث اطّلع على المدارس الفنية الحديثة، وتأثر بأساليبها، لكنه لم يفقد هويته العراقية يوماً.

لقد أدرك جواد سليم مبكراً أن الفنان الذي يكتفي بتقليد الآخرين لن يصنع تاريخاً، لذلك عاد إلى وطنه وهو يحمل مشروعاً فنياً مختلفاً، يقوم على استلهام التراث العراقي القديم لا بنسخه، وإنما بإعادة قراءته بلغة معاصرة. فاستوحى من المنحوتات السومرية وقوة الجداريات الآشورية وبساطة الأشكال البابلية، ثم صهرها جميعاً في أسلوب شخصي أصبح يحمل اسمه ويُعرف به.

ومن أهم إنجازاته الفكرية والفنية مشاركته في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث، التي دعت إلى إيجاد فن عراقي معاصر يستند إلى الجذور الحضارية، وينفتح في الوقت نفسه على التجارب العالمية. لقد كانت هذه الجماعة نقطة تحول في تاريخ الفن العراقي، لأنها منحت الفنان العراقي الثقة بتراثه، وأكدت أن الحداثة لا تعني التخلي عن الهوية، بل تعني تطويرها. وعندما نتأمل أعمال جواد سليم، ندرك أنه لم يكن يبحث عن الجمال الشكلي وحده، بل كان يسعى إلى التعبير عن الإنسان. كانت الكتلة في أعماله تحمل معنى، والخط يقود العين بإيقاع موسيقي هادئ، أما الفراغ فلم يكن مساحة خالية، بل جزءاً من البناء التشكيلي يمنح العمل توازنه وحيويته.

قوة التعبير

لقد امتلك قدرة نادرة على الاختزال، فكان يحذف كل تفصيل لا يخدم الفكرة، ويحتفظ بالعناصر التي تمنح العمل قوته التعبيرية. وهذه من أصعب المهارات التي يصل إليها الفنان، لأن الإبداع الحقيقي لا يكمن في كثرة التفاصيل، بل في معرفة ما يجب الإبقاء عليه وما ينبغي الاستغناء عنه.

أما أشهر أعماله، فهو بلا شك نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد، ذلك العمل الذي تجاوز حدود النحت التقليدي ليصبح ملحمة وطنية. فعندما يقف الإنسان أمام هذا النصب لا يرى مجموعة من الأشكال البرونزية فحسب، بل يقرأ تاريخ شعب كامل، بكل ما فيه من ألم وأمل، ومن نضال وتطلع إلى الحرية. لقد استطاع جواد سليم أن يحول البرونز إلى لغة تتحدث عن الإنسان العراقي، وأن يجعل من الفن وثيقة خالدة تحفظ ذاكرة الوطن.

ويكمن سر جمال هذا النصب في وحدته الإيقاعية. فعلى الرغم من تعدد الشخصيات والمشاهد، فإن العين تنتقل بينها بانسيابية، وكأنها تقرأ قصيدة مرئية أو تستمع إلى مقطوعة موسيقية تتصاعد تدريجياً حتى تبلغ ذروتها. وهذا ما يميز الفنان الكبير؛ إذ لا يكتفي بإبداع الشكل، بل يصنع إيقاعاً يجعل العمل كله وحدة متماسكة.

ولم يكن جواد سليم نحاتاً فقط، بل كان رساماً ومفكراً وصاحب رؤية ثقافية عميقة. كان يؤمن بأن الفن يسهم في بناء وعي المجتمع، وأن الفنان مسؤول عن التعبير عن قضايا الإنسان، لذلك جاءت أعماله بعيدة عن الزخرفة الفارغة، وقريبة من نبض الحياة العراقية. ورغم أن حياته كانت قصيرة، إذ رحل عام 1961 وهو في الأربعين من عمره، فإن أثره تجاوز حدود الزمن. فما زالت أعماله تُدرَّس في كليات الفنون، وما زال اسمه يتردد بوصفه واحداً من أهم رواد الفن الحديث في العراق والعالم العربي. إن الحديث عن جواد سليم ليس حديثاً عن فنان رحل، بل عن مدرسة ما زالت حية. فقد ترك للأجيال درساً كبيراً مفاده أن الفنان الحقيقي لا يستعير هويته من الآخرين، وإنما يصنعها من أرضه وتاريخه ووجدان شعبه. ولهذا بقيت أعماله نابضة بالحياة، لأنها خرجت من قلب يؤمن بالعراق، ومن عقل أدرك أن الفن الخالد هو الذي يجمع بين الجمال والصدق.

وأنا، كلما تأملت تجربة جواد سليم، ازددت يقيناً بأن المبدعين لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بما يتركونه من أثر في ذاكرة أوطانهم. لقد رحل جواد سليم مبكراً، لكنه ترك للعراق وجهاً فنياً سيظل مضيئاً ما بقيت بغداد تروي حكاية فنانيها الكبار، وما بقيت الأجيال تؤمن بأن الإبداع هو أحد أجمل أشكال الوفاء للوطن.


مشاهدات 21
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/07/26 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 29105 الكلي 15934232
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير