الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتغير موازين العالم .. أين يقف العراق ؟

بواسطة azzaman

حين تتغير موازين العالم .. أين يقف العراق ؟

قراءة في مستقبل الشراكات الاستراتيجية

محمد عبد السلام

 

لم تعد السياسة في عالم اليوم تدار بمنطق ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة بل أصبحت عملية تراكمية تقوم على قراءة التحولات الدولية واستثمارها بما يخدم المصالح الوطنية فالدول التي نجحت في ترسيخ مكانتها لم تكن بالضرورة الأكثر ثراءً أو تسلحاً وإنما كانت الأكثر قدرة على إدارة مواردها وبناء مؤسساتها وصياغة تحالفاتها وفق رؤية استراتيجية بعيدة عن الانفعال وقريبة من حسابات المصالح .

لقد تغير العالم بصورة جوهرية خلال العقدين الأخيرين فالتنافس الدولي لم يعد يقتصر على موازين القوة العسكرية وإنما انتقل إلى الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي والتحول الرقمي وأصبحت الدول تقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وجذب الاستثمار لا بمجرد امتلاكها للثروات الطبيعية وهذا التحول يفرض على الدول النامية وفي مقدمتها العراق إعادة النظر في فلسفة إدارة الدولة والانتقال من مفهوم إدارة الأزمات إلى مفهوم صناعة الفرص .

والسياسة في جوهرها هي فن ، لكنها ليست فن التنازل عن المصالح وإنما فن توسيع دائرة الخيارات وتوسيع المصالح  الوطنية وتغليبها على المحاصصات والمصالح الشخصية،  فمهمة المخول بذلك هو حسن إدارة الموارد والقدرة على قراءة موازين القوى وبناء التحالفات الاستراتيجية مع القوى الدولية والإقليمية بما يحقق الأمن الوطني ويعزز الاستقرار الداخلي ، ويؤسس لتنمية مستدامة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن .

ومن هنا فإن العراق يقف اليوم أمام فرصة قد تكون من أهم الفرص التي أتيحت له منذ عام 2003 فالمشهد الإقليمي يشهد تغيرات متسارعة والعالم يتجه نحو إعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة والاستثمار فيما تبحث القوى الكبرى عن شركاء يتمتعون بالاستقرار والموقع الجغرافي والقدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي والعراق يمتلك هذه المقومات جميعها إذا أحسن توظيفها ضمن مشروع وطني واضح المعالم .

إن الجغرافيا العراقية لم تكن يوماً مجرد حدود مرسومة على الخارطة بل كانت على امتداد التاريخ نقطة التقاء للحضارات ومعبراً للتجارة، وجسراً يربط الشرق بالغرب وهذه الحقيقة الجغرافية تمنح العراق اليوم ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن ثرواته النفطية لأن العالم يتجه إلى الاستثمار في الممرات الاقتصادية والربط اللوجستي وهي مجالات يستطيع العراق أن يتحول فيها إلى مركز إقليمي إذا ما استثمر موقعه بصورة صحيحة .

غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ وإنما تصنعه الدولة القادرة على تحويل موقعها إلى مشروع اقتصادي وسياسي متكامل فالموقع المتميز قد يكون مصدر قوة وقد يتحول إلى مصدر استنزاف إذا غابت الرؤية الاستراتيجية ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإمكانات التي يمتلكها العراق، بل في كيفية إدارتها .

 

    إن بناء دولة قوية وموحدة لا يتحقق بالشعارات وإنما ببناء مؤسسات تمتلك الكفاءة والقدرة على التخطيط والتنفيذ كما أن ترسيخ الهوية الوطنية العراقية الجامعة يمثل شرطاً أساسياً لأي مشروع نهضوي لأن الدول التي تتماسك جبهتها الداخلية تكون أكثر قدرة على حماية سيادتها، واستقطاب الاستثمار وبناء علاقات متوازنة مع العالم .

وفي هذا الإطار ، فإن السياسة الخارجية العراقية مطالبة بأن تتحرر من منطق الاصطفافات الحادة وأن تتجه نحو دبلوماسية المصالح القائمة على تنويع الشراكات الاستراتيجية مع مختلف القوى الدولية وتغليب لغة الحوار والوقوف مع من كان له الفضل في عبور العراق من مأزق الحرب أبان دخول قوى الظلام  ، دون الإخلال بالسيادة الوطنية أو استقلال القرار السياسي فالعلاقات الدولية في عصرنا لم تعد تقوم على التحالفات العسكرية وحدها بل أصبحت ترتكز على الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والاستثمار ونقل الخبرات .

ولعل من أهم التحديات التي تواجه العراق خلال السنوات المقبلة هو بناء اقتصاد متنوع يقلل من الاعتماد على النفط، ويعزز مساهمة الصناعة والزراعة والخدمات والاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي فالاقتصاد الريعي مهما بلغت عائداته يبقى عرضة لتقلبات الأسواق العالمية في حين أن الاقتصاد المتنوع يمنح الدولة قدرة أكبر على الصمود والاستقرار .

ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون الاستثمار في الإنسان العراقي لأنه يمثل الثروة الحقيقية لأي دولة فإصلاح التعليم ودعم البحث العلمي وربط الجامعات باحتياجات التنمية وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال ليست ملفات خدمية فحسب بل هي جزء من الأمن القومي لأنها تحدد قدرة الدولة على المنافسة في المستقبل .

إن العالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المعرفة والدول التي تتأخر في هذا المجال ستجد نفسها خارج دائرة التأثير ولذلك فإن العراق بحاجة إلى رؤية وطنية تجعل من التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أدوات لتحديث الإدارة الحكومية وتحسين الخدمات ورفع كفاءة الاقتصاد بدلاً من الاكتفاء باستهلاك التقنيات التي ينتجها الآخرون .

واليوم يقف العراق أمام فرصة حقيقية لاستعادة دوره الإقليمي ليس عبر الخطابات السياسية بل من خلال بناء دولة قوية تستند إلى هوية وطنية عراقية جامعة وسيادة راسخة ومؤسسات فاعلة وعدالة في توزيع الفرص واحترام كامل لحقوق المواطنين دون تمييز فالدولة التي يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء في بنائها هي الدولة الأقدر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل .

إن المستقبل لن يكون للدول التي تملك الثروات فحسب بل للدول التي تمتلك الرؤية والعراق يمتلك من المقومات البشرية والجغرافية والاقتصادية ما يؤهله ليكون لاعباً مؤثراً في المنطقة شريطة أن تتحول السياسة إلى مشروع لبناء الدولة وأن تتحول الدولة إلى مؤسسة قادرة على التفكير الاستراتيجي لا إلى جهاز يستهلك وقته في إدارة الأزمات .

إن استحقاق المرحلة لا يكمن في عبور تحديات الحاضر فقط بل في رسم ملامح العراق الذي نريده بعد عقدين أو ثلاثة عقود عراقٍ يمتلك اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مستقرة وسيادة راسخة وعلاقات دولية متوازنة ويستعيد مكانته الطبيعية بوصفه دولة محورية في محيطه العربي والإقليمي فهذه هي السياسة بمعناها الحقيقي وهذا هو فن الممكن عندما يتحول إلى مشروع وطني يصنع المستقبل بدلاً من أن يكتفي بانتظار ما يفرضه المستقبل .


مشاهدات 55
الكاتب محمد عبد السلام
أضيف 2026/07/18 - 1:47 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 7:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 355 الشهر 20051 الكلي 15925178
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير