الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأحكام العامة بين الوهم والواقع

بواسطة azzaman

الأحكام العامة بين الوهم والواقع

كامل الشرقي

 

لعل من  اخطرالاوهام التي أن تقع فيها أي أمة أن تصدق الرواية التي ترويهاعن نفسها أكثرمما تصدق الواقع. فحب الوطن فضيلة، أما تقديس صورة الوطن وأبنائه بوصفهم استثناءً لا يشبه أحدًا فهو بداية الابتعاد عن الحقيقة.

في الخطاب الشعبي العراقي تتكرر عبارات من قبيل: العراقي أشجع إنسان في العالم، والعراقي أكرم الناس، والعراقي لا يُهزم، والعراقي يمتلك من النخوة والشهامة ما لا يمتلكه أحد. وتتردد هذه المعاني في الأغاني والأهازيج والقصائد والخطب حتى تتحول، مع كثرة التكرار، إلى حقائق لا يناقشها أحد، رغم أنها ليست سوى أحكام عامة لا تستند إلى دليل.

هذه النظرة لا تعني أن العراقيين يفتقرون إلى الشجاعة أو الكرم أو الشهامة، فقد قدم العراق عبر تاريخه شخصيات عظيمة ومواقف بطولية لا يمكن إنكارها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الصفات إلى احتكار، وكأن بقية شعوب الأرض لا تعرف الشجاعة ولا التضحية ولا الكرم، مع أن التاريخ الإنساني مليء بأمثلة لا تقل عظمة في مختلف الأمم.

إن كل شعب يميل إلى تمجيد نفسه بدرجة أو بأخرى، لكن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تسمح للواقع بتصحيح صورتها عن ذاتها. أما المجتمعات التي تعيش على المبالغة، فإنها تجعل من النقد خيانة، ومن الاعتراف بالقصور إهانة، ومن مراجعة الأخطاء ضعفًا.

ليس هناك شعب لا يحب وطنه، ولا أمة لا تفخر بتاريخها. فالاعتزاز بالهوية الوطنية شعور طبيعي، بل هو أحد عوامل تماسك المجتمعات. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتزاز إلى قناعة بأن شعبًا معينًا يمتلك من الفضائل ما لا يمتلكه غيره، وأنه استثناء في التاريخ والإنسانية. عندئذ يصبح الفخر وهمًا، ويغدو الواقع هو الضحية الأولى

ولعل كرة القدم  عندنا تقدم المثال الأكثر وضوحًا. فما إن تقترب بطولة حتى ترتفع الأصوات التي تؤكد أن المنتخب العراقي سيهزم الجميع لأنه «منتخب الأسود» و»أصحاب الغيرة» و»ورثة الأمجاد». وتُصنع توقعات تفوق الإمكانات الحقيقية للفريق. وعندما تأتي الخسارة، تكون الصدمة بحجم الوهم الذي سبقها، فتبدأ رحلة البحث عن الأعذار والمؤامرات والحكام وسوء الحظ، بينما يكون السبب الحقيقي في كثير من الأحيان هو أن المنافس كان أفضل إعدادًا وتنظيمًا وأداءً.

الإنجاز لا تصنعه الأهازيج، ولا البطولات تتحقق بالشعارات، ولا التفوق يولد من تكرار عبارات المديح.

فالأمم التي تتصدر العالم في الرياضة والعلم والاقتصاد لم تصل إلى ذلك لأنها تصف نفسها بأنها الأفضل، بل لأنها تعمل بصمت، وتحاسب نفسها بصرامة، وتعترف بأخطائها قبل أن تبحث عن أخطاء الآخرين.

إن الشجاعة ليست جنسية، والكرم ليس جواز سفر، والنخوة ليست حكرًا على شعب دون غيره.

إنها قيم إنسانية تظهر عند كل أمة بقدر ما تبني من ثقافة ومؤسسات وتربية واحترام للقانون. ومن الخطأ أن نحول هذه القيم إلى أدوات للمفاخرة الفارغة بدل أن نجعلها سلوكًا يوميًا. ليس المطلوب أن يتخلى العراقي عن فخره بوطنه، بل أن يكون فخرًا عقلانيًا يقوم على الإنجاز لا على المبالغة، وعلى الاعتراف بالواقع لا الهروب منه. فالوطن لا يكبر عندما نصف أبناءه بأنهم أفضل البشر، بل يكبر عندما يصبحون بالفعل نموذجًا في العمل والإنتاج والانضباط واحترام الإنسان.

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 81
الكاتب كامل الشرقي
أضيف 2026/07/18 - 3:02 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 3:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 209 الشهر 19905 الكلي 15925032
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير