بعد ثمانية وستين عاماً.. ماذا بقي من 14 تموز؟
عبد القادر حداد
كلما حلّ الرابع عشر من تموز، يعود العراقيون إلى الانقسام ذاته. فريق يراها ثورة حررت العراق من الملكية، وفريق يراه انقلابًا أطاح بدولة كانت تسير نحو الاستقرار. وفي كل عام يتكرر الجدل نفسه، وكأن السؤال الذي يشغل العراقيين هو: هل كان ما جرى ثورة أم انقلابًا؟
لكن بعد ثمانية وستين عامًا، ربما لم يعد هذا هو السؤال الأهم.
السؤال الحقيقي هو: ماذا صنع ذلك اليوم بالعراق؟ وكيف أصبح شكل الدولة والمجتمع بعده؟ وهل أوصلنا إلى ما كان يعد به، أم قادنا إلى مسار آخر تمامًا؟
في الحقيقة، لا يغيّر التاريخ كثيرًا إذا سمينا ما جرى ثورة أو انقلابًا. ففي العلوم السياسية، الثورة تعني تغييرًا جذريًا في بنية النظام السياسي والاجتماعي، بينما يعني الانقلاب استيلاء مجموعة محدودة، غالبًا من العسكريين، على السلطة بالقوة. وقد يحمل الحدث الواحد خصائص المفهومين معًا، ولهذا بقي الجدل قائمًا حتى اليوم. لكن الدول لا تُقاس بالأسماء، بل بالنتائج.
قبل الرابع عشر من تموز 1958 كان العراق مملكة دستورية، تقوم نظريًا على الأقل على مؤسسات مدنية ودستور وبرلمان وقضاء وإدارة بيروقراطية أخذت تتطور تدريجيًا. لم يكن ذلك النظام مثاليًا؛ فقد عانى من نفوذ بريطاني واضح، ومن تفاوت اجتماعي كبير، ومن هيمنة طبقة سياسية محددة على القرار، ومن ضعف المشاركة الشعبية في الحكم. لكنه، في المقابل، كان يبني الدولة وفق منطق المؤسسة أكثر من منطق الفرد، وكانت عملية انتقال السلطة، رغم ما شابها من تدخلات، تتم داخل إطار دستوري معروف.
مشاريع تنموية
وفي سنواته الأخيرة تحديدًا، بدأ العراق يشهد مشاريع تنموية واسعة عبر مجلس الإعمار، وتوسعت الجامعات، وتزايد الاستثمار في البنية التحتية، وبدأت عائدات النفط تتحول إلى مشاريع طويلة الأمد. ولذلك يرى كثير من المؤرخين أن المملكة كانت تمتلك فرصة حقيقية للتطور التدريجي لو استمرت الإصلاحات السياسية والاجتماعية.
ثم جاء صباح الرابع عشر من تموز.
في ساعات قليلة انتهى نظام دام سبعة وثلاثين عامًا، وأُعلنت الجمهورية، وارتفعت شعارات العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني والاستقلال الكامل. وقد حققت السلطة الجديدة بالفعل جملة من الإصلاحات المهمة، أبرزها الإصلاح الزراعي، والتوسع في بناء المساكن للفئات الفقيرة، وتطوير الخدمات العامة، وإصدار تشريعات اجتماعية متقدمة، ومحاولة تقليص الهيمنة الأجنبية على الثروة النفطية.
غير أن الإنجازات لم تكن الوجه الوحيد للمشهد.
فالحدث الذي أنهى الملكية فتح في الوقت نفسه بابًا لم يكن العراق قد عرفه بهذا الشكل من قبل؛ باب تغيير السلطة بالقوة العسكرية. منذ تلك اللحظة، لم تعد السلطة تُكتسب عبر المؤسسات، بل أصبحت تُنتزع داخل الثكنات. ولم يعد السؤال: من يفوز بالانتخابات؟ بل: من يسيطر على الجيش؟
وهنا بدأ التحول الأخطر، ليس في شكل الحكم، وإنما في طبيعة الدولة نفسها.
بعد 1958 لم يعد الجيش مؤسسة تحمي الدولة، بل أصبح لاعبًا سياسيًا يصنع الحكومات ويسقطها. وخلال سنوات قليلة فقط شهد العراق سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة، حتى أصبح تداول السلطة يتم بالسلاح أكثر مما يتم بالدستور.
ومع الوقت، تراجعت فكرة الدولة لصالح فكرة الحاكم. فأصبحت المؤسسات مرتبطة بالأشخاص، وأصبحت شرعية السلطة تستند إلى القوة أكثر مما تستند إلى القانون. وكل انقلاب كان يبرر نفسه بإنقاذ الوطن، لكنه كان يرسخ قاعدة جديدة مفادها أن القوة هي الطريق الأقصر إلى الحكم.
أما المجتمع العراقي، فقد تغير هو الآخر بصورة عميقة.
قبل 1958 كانت الانقسامات الاجتماعية قائمة بلا شك، لكن الانتماء للدولة ظل يمثل المظلة العامة. أما بعد ذلك، فقد دخل المجتمع تدريجيًا في صراعات أيديولوجية حادة بين قوميين وشيوعيين وإسلاميين وبعثيين، ثم تحولت المنافسة السياسية إلى صراع وجودي، وأصبح الخصم السياسي عدوًا ينبغي إقصاؤه لا منافسًا ينبغي مجادلته.
ثم جاءت العقود التالية لتضاعف هذا الإرث؛ حكم الحزب الواحد، والحروب الطويلة، والحصار، ثم انهيار الدولة عام 2003، ثم قيام نظام سياسي جديد قائم على المحاصصة الطائفية والقومية، حتى وجد العراقي نفسه بعد كل هذه التحولات أمام دولة تمتلك دستورًا وانتخابات وبرلمانًا، لكنها ما زالت تعاني ضعف المؤسسات، وتنازع مراكز القوة، وتراجع هيبة القانون.
وهنا تبرز المفارقة التاريخية الكبرى.
أنصار الملكية يقولون إن العراق خسر دولة كانت تتطور تدريجيًا. وأنصار الجمهورية يقولون إن العراق تخلص من نظام لم يعد قادرًا على الاستجابة لمطالب المجتمع. وربما يحمل الرأيان شيئًا من الحقيقة.
لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن العراق لم ينجح، منذ 14 تموز وحتى اليوم، في بناء نظام سياسي مستقر يستطيع نقل السلطة بصورة طبيعية ومستدامة. فقد تغيرت الأنظمة، وتبدلت الدساتير، وتعاقب الملوك والرؤساء، وسقطت الجمهوريات، لكن أزمة الدولة بقيت حاضرة. ولذلك، فإن ذكرى الرابع عشر من تموز ينبغي ألا تكون مناسبة لاستحضار الانقسام القديم بين الملكيين والجمهوريين، ولا لتوزيع الاتهامات بين الماضي والحاضر، بل فرصة لمراجعة سؤال أكبر بكثير: لماذا أخفقت الدولة العراقية، على اختلاف أنظمتها، في بناء مؤسسات تكون أقوى من الحكام؟
إدارة كفوءة
إن الأمم لا تنهض لأنها غيّرت شكل الحكم، بل لأنها بنت مؤسسات لا تتغير بتغير الحكام. فالملكية ليست ضمانًا للنجاح، كما أن الجمهورية ليست ضمانًا للتقدم. النجاح تصنعه دولة القانون، واستقلال القضاء، وحياد الجيش، والإدارة الكفوءة، واحترام الدستور، والمساءلة، وتداول السلطة السلمي.
بعد ثمانية وستين عامًا، لم يعد العراقي بحاجة إلى حسم الجدل حول تسمية ما جرى في الرابع عشر من تموز. فذلك الجدل لن يغيّر شيئًا في واقع الناس. ما يحتاجه العراق اليوم هو أن يتعلم من تاريخه، لا أن يعيش أسيرًا له. وأن يدرك أن الدولة لا تنهض بالانقلابات ولا بالشعارات، وإنما تبنى بالمؤسسات التي تبقى عندما يرحل الجميع.