فخ البقاء وأجتراح تسريح اللصوص
عبد المنعم حمندي
إن الحيرة التي يعيشها هؤلاء السياسيون هي حيرة «مصلحية» وليست أخلاقية، حين يجترحون مخرجات لتسريح سراق المال العام بأعادة ما نهبوه مقابل إطلاق سراحهم هو التماهي بعينه مع شرعنة الفساد وخلط المصالح الشخصية بالمصالح العامة، وتناسوا أن سرقة المال العام جريمة كبرى وخيانة للأمانة الوطنية ، فسرقة المال العام ليست مجرد «جريمة جنائية» أو جنحة فساد مالي، بل هي في عمقها خيانة وطنية كبرى مع سبق الإصرار والترصد.
المال العام ليس مالاً بلا صاحب، بل هو «قوت الأمة» ومستقبل أجيالها، وهو الذي يبني المدارس، ويشيد المستشفيات، ويحمي السيادة، ويضمن كرامة المواطن..
الفرق بين الجريمة العادية والخيانة الوطنية في سياق الفساد، يكمن في حجم الأثر وموقع المعتدي:
لأن السارق العادي يسلب فرداً، أما سارق المال العام فإنه يسلب ملايين المواطنين حقوقهم المشروعة في الحياة الكريمة، ويدفع بالفقراء إلى حافة العوز، ويبدد ثروات الوطن لصالح مكاسب ضيقة ونفعية.
إن تفشي سرقة المال العام والتغطية عليها يكسر هيبة القانون، ويُفقد المواطن انتماءه وثقته بمؤسسات بلده. وحين تسقط الثقة، ينهار العقد الاجتماعي الذي يربط الشعب بالدولة.
وهل يعلم اصحاب القرار، أن أي نظام سياسي يبرر السكوت عن ناهبي المال العام بحجة «الحفاظ على الاستقرار» أو «منع انهيار النظام»، إنما يثبت أنه استقرار زائف مبني على حساب ركائز الوطن الأساسية.
إن سرقة المال العام هي الطعنة الأكثر غدراً في جسد الدولة؛ لأنها تُرتكب بأيدي من اؤتمنوا على حمايتها.و الساكت عن الفساد شريكٌ فيه، والناهب لأموال الشعب يبيع حاضر الوطن ومستقبل أبنائه لحسابه الخاص. لا يمكن لبناءٍ أن يستقيم إذا كان رعاة السقف هم أول من ينخر في أساساته.
فالخلط بين الدولة (باعتبارها الكيان الثابت، الأرض، الشعب، والقيم العليا) وبين النظام السياسي (باعتباره الأداة الإدارية المؤقتة) هو أولى علامات الفساد السياسي.
حينما يصبح بقاء النظام مشروطاً بحماية الفاسدين، فإنه يتحول من «خادم للدولة» إلى «عبء عليها». والتضحية بالدولة من أجل حماية النظام هي انتحار جماعي مؤجل، لأن النظام الذي يحمي الفاسدين يمتص دماء الدولة حتى تنهار المؤسسات، وعندها لن يبقى نظامٌ ليحكم، ولا دولة ليعيش فيها الجميع.
النظام متغير والدولة باقية: التاريخ مليء بالأنظمة التي سقطت وبقيت دولها وشعوبها، لكن لا توجد دولة واحدة فرطت في قوانينها ومؤسساتها وبقيت قائمة.
كلفة المحاسبة أرحم من كلفة الانهيار: قد تؤدي محاسبة أقطاب الفساد إلى «هزة سياسية» مؤقتة، لكنها ك «الجراحة القيصرية» الضرورية لإنقاذ حياة الجسد (الدولة). أما التغاضي، فهو الموت البطيء.
وأقول:لا خير في نظامٍ يرى عافيته في مرض الدولة، ولا بقاء لكيانٍ يخشى القانون. الدولة القوية كالشجرة الطيبة، لا يضيرها أن يُجتث منها فرعٌ خبيث لكي تحيا بقية الأغصان، بل إن تقليم الفروع الفاسدة هو سر بقاء الجذور صلبة وحية.