اللصوص والكتب
محمد كاظم الفاضلي
في الأيام القلائل الماضية تابعت وبمرارة كما تابع كثيرون صور وفيديوهات حملة مكافحة الفساد التي اطلقتها حكومة السيد الزيدي .
ما لفت انتباهي شيء لم يكن له علاقة بالمسروقات او حتى الطرق البدائية التي عمد الفاسدون الى استخدامها لاخفاء ما نهبوا ، بل بشيء غائب تمامًا الا وهو» الكتب «.
قد تكون هذه مجرد مصادفة، وقد لا تكون الصور شاملة لكل ما في تلك البيوت، لكن الغياب المتكرر للمكتبات يدفع إلى سؤال يستحق التأمل: ماذا يقول حضور الكتاب أو غيابه عن المجتمع؟
لا يعني امتلاك مكتبة أن الإنسان صالح، ولا يعني غيابها أنه مجرم. فالتاريخ يعرف مثقفين ارتكبوا جرائم، كما يعرف أميين عاشوا حياة شريفة. لكن الكتاب يبقى أحد المؤشرات على علاقة الإنسان بالمعرفة والتأمل والنقد الذاتي، وهي قيم تسهم في تهذيب السلوك وإن لم تكن ضمانة له.
ربما تكشف هذه الصور عن أزمة أعمق من الجريمة نفسها؛ أزمة تراجع القراءة في مجتمع أصبح فيه الهاتف يطغى على الكتاب، والاستهلاك يتقدم على المعرفة، واللهاث وراء الربح السريع يتغلب على ثقافة العمل والصبر.
إن مكافحة الجريمة لا تبدأ فقط من ملاحقة اللصوص، بل تبدأ أيضًا من بناء الإنسان ، من الاسرة ، المدرسة، دور العبادة ، المكتبة، ومن كل مكان يزرع في الفرد فكرة أن المعرفة ليست ترفًا، بل وسيلة لصناعة الضمير.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس: لماذا لا توجد مكتبات في بيوت اللصوص؟ بل: كم مكتبة ما زالت موجودة في بيوت العراقيين عمومًا؟