من يوقظ الوعي؟
ساجدة جبار
ليس الوعي مصباحًا يُضاء بضغطة زر، ولا هبةً تُمنح للإنسان منذ ولادته، بل هو رحلة طويلة تبدأ بسؤال، وتنمو بالمعرفة، وتكتمل بالتجربة. وحين يغيب الوعي، يصبح الإنسان أكثر عرضة للانقياد خلف الشائعات، والأفكار المتطرفة، والأحكام السطحية، فيفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يوقظ الوعي؟ هل توقظه الأسرة حين تغرس في أبنائها قيم الصدق، واحترام الآخرين، وحب التعلم؟ أم توقظه المدرسة عندما تجعل من التعليم وسيلةً لبناء العقل لا مجرد حفظٍ للمعلومات؟ أم يوقظه الكتاب الذي يفتح نافذة على عوالم جديدة، ويحرر الفكر من ضيق التقليد؟ وربما توقظه التجارب القاسية التي تعلّم الإنسان ما لم يتعلمه في الصفوف الدراسية. إن الوعي لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى بالخوف، وإنما ينمو في بيئة تحترم السؤال، وتشجع الحوار، وتمنح الإنسان حق التفكير. فالمجتمعات التي تُنصت إلى أصوات المعرفة، وتُعلي من قيمة الثقافة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة مستقبلها بثقة. وفي زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، لم يعد الخطر في قلة المعرفة، بل في العجز عن التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة. لذلك أصبح الوعي مهارةً لا تقل أهمية عن العلم نفسه، لأنه البوصلة التي توجه الإنسان وسط هذا الزخم الهائل من الأفكار. إن إيقاظ الوعي مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد حين يختار أن يقرأ، وأن يفكر، وأن يراجع قناعاته، وتمتد إلى الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية. فكل كلمة صادقة، وكل كتاب نافع، وكل حوار راقٍ، قد يكون شرارة توقظ عقلًا، وتفتح أفقًا، وتغيّر مستقبلًا. فالوعي لا ينتظر من يوقظه بقدر ما ينتظر من يفتح له الباب. وعندما تُفتح أبواب المعرفة، ويُمنح العقل حريته في التفكير، يبدأ الإنسان في رؤية العالم بعينٍ أكثر بصيرة، ويصبح قادرًا على صناعة التغيير، لا مجرد انتظار حدوثه.