بين السلطتين المدنية والدينية
جبار فريح شريده
لطالما شكّلت العلاقة بين السلطة والقيم الروحية محورًا للنقاش الفلسفي والسياسي. فالسلطة، مهما كان شكلها، تملك القدرة على التأثير في وعي الإنسان وسلوكه، سواء أكانت سلطة مدنية تستند إلى القوانين والمؤسسات، أم سلطة دينية تستند إلى القداسة والتأويل الديني.
في ظل السلطة المدنية، قد ينشغل الإنسان بمتطلبات الحياة المادية، والسعي وراء النجاح الاقتصادي، والمنافسة الاجتماعية، حتى تصبح القيم الروحية في مرتبة ثانوية. وعندما تُختزل حياة الفرد في الإنتاج والاستهلاك وتحقيق المصالح الشخصية، قد يضعف حضوره الأخلاقي والوجداني، ويصبح الالتزام بالقيم مرتبطًا بالمنفعة أكثر من ارتباطه بالقناعة. غير أن هذا ليس نتيجة حتمية لكل سلطة مدنية، بل يعتمد على طبيعة النظام، والثقافة المجتمعية، ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية في ترسيخ القيم الإنسانية.
أما في ظل السلطة الدينية، فإن الخطر لا يكمن في الدين ذاته، وإنما في استغلاله لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية. فعندما تتحول القداسة إلى وسيلة تمنع النقد والمساءلة، ويُطلب من الناس الطاعة المطلقة باسم الدين، يصبح المجتمع أكثر عرضة للاستغلال. وقد يؤدي التقديس الأعمى للأشخاص أو المؤسسات إلى تبرير الفساد وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح، فيُستغل إيمان الناس وثقتهم لتحقيق مصالح لا تمت إلى جوهر الدين بصلة.
إن المشكلة الحقيقية ليست في مدنية السلطة أو دينيتها، بل في غياب المساءلة، وضعف الوعي، واحتكار الحقيقة. فالمجتمعات التي تمتلك مؤسسات قوية، وقضاءً مستقلًا، وإعلامًا حرًا، وثقافة نقدية، تكون أكثر قدرة على حماية الإنسان من الاستغلال، سواء جاء باسم القانون أو باسم الدين.
إن الحفاظ على القيم الروحية لا يتعارض مع وجود دولة مدنية، كما أن احترام الدين لا يعني التسليم المطلق لمن يتحدث باسمه. فالإنسان الواعي هو من يميز بين الإيمان الصادق والاستغلال، وبين احترام المقدسات وتحويلها إلى أدوات للهيمنة. وعندما يجتمع الوعي مع الحرية والمسؤولية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على بناء سلطة تخدم الإنسان، بدلًا من أن تجعل الإنسان وسيلة لخدمة السلطة.