سقوط الشرعية قبل سقوط المؤسسة.
حامد الضبياني
ليست الأوطان هي التي تنهار أولاً، بل تنهار الثقة التي تربط المواطن بمؤسساتها، وعندما تتحول المؤسسة التي أُنشئت لتكون صوت الشعب إلى كيان يراه الناس منفصلاً عن همومهم، فإن الأزمة لا تعود أزمة أشخاص، وإنما أزمة فلسفة حكم كاملة فقدت معناها الأخلاقي. فالبرلمان، في أي دولة ديمقراطية، ليس مبنى تُعقد فيه الجلسات، ولا مقاعد يتناوب عليها السياسيون، بل هو الضمير الذي يُفترض أن يحرس المال العام، ويراقب السلطة، ويدافع عن الفقير قبل الغني، وعن الوطن قبل الحزب، وعن القانون قبل المصالح الضيقة. فإذا غاب هذا الدور، وتحول البرلمان في نظر قطاع واسع من المواطنين إلى عنوان للامتيازات والصراعات والمحاصصة والجدل العقيم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من بقي في البرلمان؟ بل: ماذا بقي من وظيفة البرلمان؟.. إن العراق لا يعيش أزمة موارد، وإنما يعيش أزمة إدارة للموارد، ولا يعاني فقراً في الثروات، وإنما فقراً في الأمانة السياسية. وكلما كُشف عن قضية فساد أو اختلاس أو هدر للمال العام، ازداد شعور المواطن بأن الفساد ليس حادثة منفردة، بل منظومة تحتاج إلى تفكيك جذري، وأن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند موظف أو مدير عام أو مسؤول تنفيذي، بل يجب أن تمتد، وفق الأدلة والإجراءات القانونية، إلى كل من شارك أو سهّل أو تستر أو استغل نفوذه، مهما كان موقعه أو صفته.ومن هنا فإن المطالبة بإعادة النظر في بقاء مجلس النواب ليست دعوة إلى هدم الدولة، بل هي دعوة إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة وشعبها. فإذا عجزت المؤسسة عن أداء رسالتها، وأصبحت عبئاً مالياً وسياسياً وأخلاقياً، فإن الاحتكام إلى الدستور والقانون لإجراء إصلاحات جوهرية، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، أو اتخاذ أي مسار دستوري يحقق الإرادة الشعبية، يصبح خياراً مشروعاً للنقاش العام، لا جريمة في التفكير به.إن الشعب العراقي من حقه أن يطالب بكشف الذمم المالية للمسؤولين جميعاً، وإعلان ممتلكاتهم بشفافية، وإخضاع كل الأموال التي يُشتبه بأنها نتجت عن استغلال المنصب إلى التحقيق القضائي، ومصادرة ما يثبت القضاء أنه كُسب بطرق غير مشروعة، لأن المال العام ليس إرثاً سياسياً، ولا غنيمة انتخابية، بل هو ملك للأجيال التي دفعت ثمنه من دمائها وتعبها ولقمة عيشها.وكذلك فإن المطالبة بإعادة تقييم جدوى مجالس المحافظات، ومدى تحقيقها للأهداف التي أُنشئت من أجلها، هي قضية ينبغي أن تُناقش بجرأة ومسؤولية، لأن بقاء أي مؤسسة يجب أن يكون مرتبطاً بخدمة المواطن، لا بمجرد استمرار وجودها الإداري أو السياسي. فالمؤسسات تُقاس بإنجازها، لا بعدد أعضائها، وبما تقدمه للناس، لا بما تستهلكه من الأموال العامة.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الشعب والبرلمان، ولا بين المواطن والسياسي، وإنما بين دولة القانون ودولة الامتيازات، بين من يرى المنصب تكليفاً، ومن يراه فرصة للإثراء والنفوذ. ولهذا فإن العدالة لا تتحقق بالتعميم، وإنما بالمحاسبة الفردية لكل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء، دون حصانة سياسية أو حزبية أو اجتماعية، فالقانون لا يكتمل إلا عندما يقف الجميع أمامه على مسافة واحدة.لقد تعب العراقيون من الوعود التي لا تتحول إلى أفعال، ومن الشعارات التي تزداد بريقاً كلما ازداد الواقع ظلاماً. ولم يعد المواطن يبحث عن خطابات جديدة، بل عن مؤسسات نظيفة، وقضاء مستقل، ورقابة حقيقية، وسياسي يشعر أن المنصب أمانة لا امتياز. فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى مزيد من العدالة، ولا إلى كثرة الوجوه، بل إلى صدق الضمائر.وحين تصبح حماية المال العام ثقافة لا شعاراً، وتصبح المساءلة قاعدة لا استثناء، وتصبح الحصانة وسيلة لحماية العمل النيابي لا درعاً للإفلات من المحاسبة، عندها فقط يمكن للعراق أن يبدأ رحلة التعافي. أما إذا بقيت الشبهات تتكرر، واستمر فقدان الثقة بين المواطن ومؤسساته، فإن المطالبة بإصلاحات دستورية جذرية ستظل تتسع يوماً بعد آخر، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر طويلاً على غياب العدالة.سيبقى الأمل معقوداً على وعي العراقيين، وعلى قضاءٍ عادل يحقق المحاسبة وفق القانون، وعلى إرادة شعبية تُصرّ على أن يكون الوطن أكبر من المصالح، وأن تكون الدولة أقوى من الفساد، وأن يكون القانون سيد الجميع بلا استثناء.