صروح الدم
ماجد علي كيطان الجبوري
مرةً
عندما كنت’ صبيا
خرجت من عيني نظرة
ألمحت بها عين أبي
وهو يدعو في المحراب
فخفت من فرط التجاعيد بجفنيها
ووجلت من كثر الاسى فيها
فعرفت إن الزمان أصاب مراميها
متعب أبي كنت أضنه
متألم في كبر سنه
ثم أرجعت بصري
حيث موضع قدري
فألمح والدي
ما كان يعتريني في جسدي
في عيني ... وخدي ... وفي يدي
ما لبث إن أمسك يدي
قال: يا ولدي
أتمنى لعينيك أن الاحزان لا تبكيها
وأن الحب والافراح تسليها
ومضى أبي ومضيت
يفرغ كل منا آلامه
يسترجع كل ألم فينا أحلامه
فيقص ما رأى ... ورأيت
يا أبي أني ابصرت
فوجدت يدي في يديك
وعيني تنظر مع عينيك
فرأيت ما رأيت
وتمنيت ما تمنيت
أن امضي الأن في دربي
فأدق أبواب كل البيوت
بيتا بعد بيت
وأهب أهلي روحاً
توقظ كل ميت
الآن وجدت روحي
تطير مع الريح
لا يمسكها أحد
مع النسيم تأتي ومعه تروح
ملزم إن أقتفي
ملزم إن اقفي
علني في هذا أجد بعض التشفي
ما يعتريني في عيني ويدي وكفي
ودمي من بعض أوجاعه
يستطيع إن يصفي
وقلبي يدع كل أوهامه
وبالحب وحده يكفي
أبصرت عين أبي للمرة الثانية
ألمحت فيها نظرته الحانية
وراح يسألني:
أو ما زلت تخاف من نظر عيني؟
او ما زلت تجفل من لمس يدي ؟
فتقلب عينك عن عيني
وتسحب يدك من يدي
ويكأني أقسوا على عينك بعيني؟
ويكأني اخنق على يدك بيدي؟
ملزم من روعتي
ملزم من لوعتي
ملزم من أحبتي
ملزم إن أقول له الآن يا أبتي
هب جسدي إن ينام
دون أوجاعة ..
هب قلبي إن يهوى
دون خداعة ..
هب عيني أن تبصر مدمعها
بكل قناعة ..
هب جرحي إن يلتام دمه
من أول ساعة
هب نفسي إن تنال مناها
بلا شفاعة ..
هب يدي أن تطال مدها
بكل براعة ...
وأبي ينظر نحو عيني
وهو يبكي
كنت أعرف إن أبي كان يبكي
دون إن يشكي
أو يحكي
وأبي كان يبكي
يخالجه القلق والشك ...
****
كبراَ باسم عراق النخيل
أبث كل أعين بنيه
ودموعها على خديها تسيل
كبراً باسم عراق النخيل
أبث كل جراح بنيه
ودماها تنزف حد المستحيل
كبراَ باسم عراق النخيل
أبث كل أجساد بنيه
مجدلة بين جريح وقتيل
يا أبي
أيمكننا الآن في هذا السباق؟
أن ندخل جوقة هذا الرواق
أم ما زلت إلى الآن تراني
ناعم الجنبين ..,. طري الخدين
غض اليدين؟
يا أبي
إن من حياته مأساة الحسين
ألف جرح يندى له من الأشفاق
وتظل القلوب تخفق له شوقاً
حد التلاق
يا أبي
إن من وعى واعية الحسين
لا يدخل الوغى بأيدي رقاق
بل هائل الكبرياء ... غضبان
مستفز النطاق
معلناً التحدي
رافضاً التردي
شاهراً للتصدي
ألف بيرق خفاق
وألف سيف براق
مشمراً في الوغى
ألف قدم وساق
يا أبي
هذي عيني
دمع فيها للموتى
دمع فيها للثكلى
دمع فيها للأحياء
دمع لذل الفقراء
دمع لفقد الأخلاء
دمع ينز للشهداء
دمع للمشردين
دمع للمهجرين
دمع للمحرومين
دمع للمهزومين
دمع لموتى الاحياء
دمع لموتى الاعداء
ودموع تبكي لبنينا الاعزاء؟
دمع للجوع
دمع للجياع
دمع للوجع
دمع للأوجاع
دمع للوطن الموجع
دمع للوطن الموجوع
دمع للمفجع
دمع للمفجوع
دمع للأجيال
دمع لوقع الزلزال
دمع ينضح دماً حد الاقتتال
دمع لبكاء الاطفال
دمع لأشلاء الاطفال
دمع لدماء الاطفال
دمع للأيتام
دمع للأجساد تحت الركام
وابثها يا أبي هذي الدموع
هذي الدماء والضلوع
كليلة ظلماء فيها تقاد الشموع
يا أبي
هي عينك ليلة أبصرت عيني فأخفتني
أنت أحببتني
غير إنك ما قلت لي إن عيني ستكون عينك
وإن جنبي سيكون جنبك
انني سيسن بي الموت سنك
وإن جسمي سيصبح جسمك
وإن دمي سيصبح دمك
ربما الحزن شكك
أو دمع العين بكك
أو وجع القلب حفك
حتى يصل كفك
لكنك يا أبي
لم تقدر إن تقول لأبنك عند الفراق
إن عينه سوف تغدو كجفنك
كنف لدموع العراق
الزم جذور النخل ..... قبل تدليها
فقد هوت كل نخلة .... من اعاليها
الزم خيوط الشمس ... هذي تواليها
فقد دنت شمس السما .... إلى أدانيها
الزم غيوم الليل .... إن اختفت
فأي ماء به تسقى اراضيها
الزم ضوء النجم .... إن انطفأ
فأي نور به تضيء لياليها
أحفر اوتاد الثرى والزم تواليها
الارض تشتعل الآن ... وانت تطفيها
احفر اوتاد الثرى والزم تواليها
الارض تضطرب الآن ... وانت تهديها
انت الشامخ الكبير المنتفض بها
رجلاً ، وكل ذوي الاطماع ذياليها
يامن تحيط بك طوق المنية بأكفها
حل الطوق عن أهاليها
يامن تحيط بك طوق المنية بأنيابها
حل الطوق عن أماليها
حل عنها روعك
حل عنها دموعك
حل عنها دمك
حل عنها الجرح الذي ألمك
حل عنها الوجع الذي هدمك
حل عنها الموت الذي أعدمك
حل عنها الطوق المحاصر
أيها المحاصر
يامن ليس له معين أو ناصر
انت المحامي الناصر
والمدافع الصابر
فالكواكب مأمورة بالزوال
والمدارات مقطوعة الوصال
كل في خطب جليل
أو في أمر مستحيل
كوكب واحد سوف يبقى كالقنديل
عن مسار الكواكب يميل
كوكب الزمك
كوكب لم يزل يساير قدمك
لم يزل يتتبع دمك
وستعيا كثيراً كي تهبه
فانت الجريح
وستعيا كثيراً كي تهبه
فانت الذبيح
هكذا انت العراق الاصيل
هكذا انت يا عراق النخيل
****
مذ الارض الله كورها
مذ في المدار دارت دورتها
مذ إن كل اوجاعها صورت
مذ إن كل بلاياها نشرت
مذ انحسرت فيها ايتين
وجرى بمعجزة ماء النهرين
لا شيء فيها بين اثنين
إما إن تكون حليف الحق
أو إن يكون عليك الدين
إما إن تكون فيها القاتل
أو أن تفوز بإحدى الحسنين
كنت تنزف يا عراق الحسين
تبقى منيعاً عالي المراقي
يا شامخاً بزهوه العملاق
هكذا انت يا عراق التحدي
يا عصياً على كل مجرم أفاق
هكذا انت يا عراق التحدي
اصل الكبر ... وذروة الاخلاق
يا عراق عندما تريد التحدي
فيض الدماء بعض الصداق
هكذا انت يا نبيل الخلاق
يا عصياً على اشتداد الخناق
هكذا انت هائل الكبرياء
يا كوكباً في أعالي الافاق
هكذا انت هائل الكبرياء
تنزف وتحمل الف سيف براق
كنت تنزف يا عراق الحسين
هادياً تنزف دماً
فادياً تنزف دماً
غافلاً تنزف دماً
حافلاً تنزف دماً
كنت انت الذبيح
كنت تذبح يا عراق الحسين
فقل لي ماذا اسمي حياتك يا عراق
منذ بدأ الخليقة والاشراق
إلى يومنا هذا الذي لا يطاق
جد لي عاماً ... يوما... ليلة واحدة
لم يكن دمك فيها صداق
لم يكن دمك فيها ينزف لكن
حاملا ألف بيرق خفاق
لم يكن دمك فيها ينبض
كالغيم بين الارعاد والابراق
لم يكن دمك فيها كالسنا
يحضن الرافدين حدً العناق
لم يكن دمك فيها يأسر
الشمس ويأتي بها إلى الاشراق
لم يكن دمك فيها يخطف