الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بناء الدولة يبدأ من مكافحة الفساد... فهل ينجح العراق؟

بواسطة azzaman

بناء الدولة يبدأ من مكافحة الفساد... فهل ينجح العراق؟

مرام مازن

 

لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات تُفتح ثم تُغلق، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها وبناء مؤسساتها. فهو لا يقتصر على هدر المال العام، بل يهدد سيادة القانون، ويضعف كفاءة المؤسسات، ويعرقل التنمية، ويقوض العلاقة بين المواطن والدولة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تكفي الإرادة السياسية وحدها لمواجهة الفساد، أم أن بناء مؤسسات قوية هو الضمان الحقيقي للإصلاح؟

إن قوة الدولة لا تُقاس بمواردها الطبيعية أو إمكاناتها الاقتصادية فقط، بل بقدرتها على حماية المال العام، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. لذلك، لم تعد مكافحة الفساد شعارًا سياسيًا، بل أصبحت ركيزة أساسية لبناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة.

وتشير أحدث بيانات مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية إلى أن العراق حصل على 28 نقطة من أصل 100، واحتل المرتبة 136 عالميًا من بين 182 دولة في تقرير عام 2025. وتعكس هذه النتائج حجم التحديات التي ما تزال تواجه جهود تعزيز النزاهة والشفافية، وتؤكد أن الإصلاح يتطلب مؤسسات قوية إلى جانب الإرادة السياسية.[1]

وفي هذا السياق، وضعت الحكومة الحالية مكافحة الفساد ضمن أولوياتها، عبر فتح ملفات فساد، وإحالة عدد منها إلى القضاء، وتعزيز الرقابة، والسعي إلى استرداد الأموال العامة. إلا أن نجاح هذه الجهود لا يُقاس بعدد القضايا المعلنة، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة تمنع الفساد قبل وقوعه، وتضمن استمرار المحاسبة وفق معايير قانونية ثابتة، بعيدًا عن الانتقائية أو التسييس.

"الفساد أخطر من الإرهاب ؛ لأنه يهدم الدولة من الداخل"

ومن منظور العلوم السياسية، فإن الدول التي نجحت في الحد من الفساد لم تعتمد على قوة الأشخاص، بل على قوة المؤسسات. فالإرادة السياسية هي نقطة البداية، لكنها لا تؤتي ثمارها إلا عندما تتحول إلى إصلاحات مستدامة تعزز استقلال القضاء، وتطور الإدارة العامة، وترسخ سيادة القانون.

ويبقى السؤال مطروحًا: لماذا يستمر الفساد رغم كثرة الهيئات الرقابية؟ إن تعدد المؤسسات الرقابية لا يعني بالضرورة انخفاض معدلات الفساد، إذا غابت استقلاليتها، وضعفت المساءلة، وتداخلت الاعتبارات السياسية مع عملها. فالمشكلة ليست في عدد الهيئات، بل في قدرتها على أداء مهامها بحرية وكفاءة.

وتؤكد مبادئ الحوكمة الرشيدة أن مكافحة الفساد لا تعتمد على العقوبات وحدها، بل على منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقابة الوقائية. كما أثبتت تجارب دول مثل سنغافورة وجورجيا أن الإصلاح يبدأ ببناء مؤسسات قوية ومستقلة، وهو ما يجعل الوقاية أكثر فاعلية من الاكتفاء بملاحقة المخالفات بعد وقوعها.

 

وفي تقديري ، فإن نجاح أي حكومة في مكافحة الفساد لا يُقاس بعدد الملفات التي تُفتح، بل بمدى شعور المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وأن الحصول على الخدمة العامة لم يعد مرهونًا بالوساطة أو المحسوبية. فالإصلاح الحقيقي هو ما يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا ما يُعلن في البيانات الرسمية.

كما يتحمل الإعلام الوطني مسؤولية أساسية في هذه المرحلة، من خلال تقديم تغطية مهنية تستند إلى الحقائق، بعيدًا عن التهويل أو التسييس، والإسهام في ترسيخ ثقافة النزاهة وتعزيز الوعي بأهمية حماية المال العام.

إن أخطر ما يسببه الفساد ليس خسارة الأموال فحسب، بل فقدان ثقة المواطن بالدولة؛ فالمال يمكن تعويضه، أما الثقة فإذا انهارت احتاجت سنوات طويلة حتى تستعاد.

ومن هنا أرى إن العراق يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لتحويل مكافحة الفساد من حملة مؤقتة إلى سياسة دولة تقوم على المؤسسات لا الأشخاص. وإذا ما اقترنت الإرادة السياسية بإصلاحات مؤسسية شاملة، فإن ذلك سيمثل خطوة مهمة نحو بناء دولة حديثة قادرة على حماية المال العام، وترسيخ العدالة، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي.

في تقديري إن بناء الدولة لا يبدأ من كثرة القوانين، بل من قدرتها على أن تُطبَّق بعدالة على الجميع. وعندما يصبح القانون أعلى من المصالح، تتحول مكافحة الفساد من شعار سياسي إلى ثقافة دولة، ومن وعدٍ مؤقت إلى مستقبلٍ يستحقه العراقيون.

واختتم كلامي بأن أخطر اشكال الفساد ليس ما يُسرق من خزائن الدولة ، بل ما يُسرق من ثقة المواطن بها، لأن المال يمكن تعويضه ، أما الثقة إذا إنهارت احتاجت سنوات طويلة لتُبنى من جديد.

 


[1] منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد 2025 (Corruption Perceptions Index 2025).


مشاهدات 45
الكاتب مرام مازن
أضيف 2026/07/11 - 2:20 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 3:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 237 الشهر 10884 الكلي 15916011
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير