الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أحلام الخريف

بواسطة azzaman

أحلام الخريف

عاصم الجبوري

 

      كان الفصل هو نهاية فصل الخريف القصير والسماء تطرزها غيوم رمادية متقطعة ونسمات باردة تهب بين الفينة والأخرى ، كان جاسم بوبي (هذا ما كان يلقبونه به لضخامته) جالساً على تخت خشبي في مقهى شعبي قرب السوق الكبير والوحيد في المدينة الصغيرة يتأمل عمال البناء الذين كانوا يعملون مثل النحل في بناية جديدة انشأت على الشارع العام ويحسد صبرهم وقوة تحملهم في نقل مواد البناء وأحس ان جسمه الثقيل بدأ يتعب فأشاح بنظره عنهم الى داخل المقهى فوقعت عينه على عنوان في الصحيفة التي كان يطالعها استاذ محمود جيران العمر والمعلم الأول في المدرسة التي كان جاسم يوما أحد طلابها، لم يستطع جاسم ان يتهجى سوى كلمة (العمل) فقال بفضول :

استاذي العزيز ما هذا الخبر الذي يتحدث عن العمل؟

خفض استاذ محمود الجريدة ونظر من خلف نظارته الى جاسم مستغرباً اهتمامه بأخبار الصحف وقال له :         صار أبو نصيف تدلل

وبدأ يطالع في الصحيفة ويقرأ بصمت وأدرك ما كان يجول في بال جاسم فقرأ الخبر بأهتمام وفجأة توقف وقال :

أبو نصيف هذا خبر يفيدك

شلون استاذ رحمة لأهلك

تم فتح مكاتب عمل في جميع المحافظات لتشغيل الخريجين والعاطلين في دوائر الدولة حسب الحاجة , تعال معي الى دائرة البلدية لنسأل عن مكان المكتب عسى ولعل يصبح حلمك حقيقة وتتعين ، لم يصدق جاسم ما يسمع ونهض بهمة عالية على غير عادته ، جاسم الذي يبلغ وزنه أكثر من 100كغم وقدماه مسطحتان أصبح يمشي أمام استاذ محمود وما هي الا لحظات وكان الأثنان في مقر البلدية وبعد الأستفسار علموا ان مكتب العمل تابع لوزارة العمل والشؤون الأجتماعية ولايبعد كثيراً عن مقر البلدية ، وتوجه الأثنان فوراً الى المكتب وهو جزء من بناية حديثة يتكون من ثلاثة غرف ولايشغل المنتسبين سوى غرفة واحدة كبيرة واخرى لمدير المكتب والثالثة فارغة ، وكان استاذ محمود هو من سأل الموظف الذي أمامه عن الخبر الذي في الصحيفة وأشار الى جاسم وهو يقول :

أريد تعينه حارسا في المدرسة ، فقال الموظف : استاذ خذ الاستمارات من الأنسة نضال واملئها وأجري له فحص   للصدر والبصر وأجلبها يوم السبت ويصير خير انشاء الله.

شكراً استاذ الله يطول عمرك ، قال جاسم هذا وهو يهم بمصافحة وتقبيل الموظف وعينه على الأنسة نضال، افترق جاسم بوبي عن استاذ محمود قرب السوق وتواعد معه عصراً لملئ الأستمارات وتوجه جاسم مسرعاً الى المنزل وتزاحمت الأحلام في مخيلته ، وتخيل نفسه في المدرسة  يمسك بعصى ويلاحق بها الطلبة المشاكسين ثم قال لا أنا لا أحب المدارس وتخيل نفسه موظفاً في مكتب العمل بجانب نضال الأنسة السمراء الناعمه وكان هو قد لاحظ ان هناك مكتب وكرسي فارغين وطاف به الخيال وتخيل انه تزوجها وأصبح مديراً للمكتب وتخيل.....ووجد نفسه يطرق الباب الخشبي الثقيل وهو ينادي مديحة :

اين أنت افتحي الباب ، مديحة شقيقته الكبرى والوحيدة في الأربعين من عمرها لكنها تبدو أكبر من ذلك هي من قامت بتربية  جاسم ورعايته بعد وفاة والديهما في حادث قبل خمس وعشرون سنة، فتحت مديحة الباب مرعوبة وشاهدته يبتسم فقالت :

أخفتني ظننت ان حادثاً وقع لك، قال:

هو حادث لكنه خير ، مديحة سأتعين في الدائرة ، قالت مستغربة:

 أي دائرة وأنت تقرأ وتكتب بصعوبة انهم يضحكون منك كعادتهم ، قال منتفضاً:

لا مديحة هذه المرة ذهب معي استاذ محمود وهو من سيقدم أوراقي وهذا رجل تعرفينه لا يمازح أحداً، هزت رأسها وهي تقول يجوز وانسحبت الى المطبخ تجهز وجبة الغداء.وتمدد جاسم فوق السرير وهو يحاول ان يستعيد أحلامه لكن صوت مديحه وهي تطلب منه ان يغير ملابسه ويحضر لتناول الطعام حال دون ذلك ، وتناول جاسم طعامه بنهم كعادته وفجأة توقف عن الأكل ونظر في وجه مديحة وقال مستفسراً:

أين بدلتي االنيلية (القاط) وربطة العنق التي أهداها عمي لي قبل سنتين ، قالت مديحة:

الجو لا زال طيباً ومريحاً والقاط في الخزانة الحديد التي فيها ملابس الشتاء، نهض جاسم وهو يقول :هذا وقته سأرتديه حتى لو كنا في شهر تموز، وبدأ يبحث عنه بين الملابس وعندما وجده وضعه على السرير وبدأ ينظر اليه بتمايز من بعيد وبدايات حلم تداعب مخيلته، ومديحة كانت قد دخلت في أحلامها وهي تتوسط لجارتها وصديقتها الأرملة  أم حسين التي أتعبتها مراجعة الدوائر للحصول على قطعة أرض، وتخيلت جاسم والمراجعين يلتفون حوله والكل ينادي استاذ الله يخليك .... 

 

عصراً كان جاسم مع الأستاذ محمود في المقهى يملئ الأستمارات ، وصباح اليوم الثاني كان جاسم في المستوصف الصحي ببدلته النيلية وربطة العنق الحمراء التي عقدتها بحجم قبضة يده وهو يصعد في سيارة الأشعة في باحة المستوصف لفحص الصدر ثم توجه الى داخل المستوصف ليجري فحص البصر كان أمامه بضع أشخاص في الأنتظار أمام غرفة الفحص كان يتمنى أن يسألهم عن اجراءات الفحص لكنه لم يجرئ لأرتباكه وخوفه وهو يخوض هذا الأمتحان لأول مرة ، بعد لحظات دخل جاسم في غرفة شبه معتمة ولاحظ الطبيب ارتباكه فقال له:

استاذ لازم خايف من قدرة بصرك وهذه أول مرة تجري فيها فحص ؟

نعم،  أمسك الطبيب بمؤشر صغير وطلب من جاسم أن يغطي عينه اليسرى بيده وأطفأ النور الوحيد في الغرفة وبدأ يسأله عن اتجاه حروف السطر الأول ثم الثاني وفي السطر الثالث بدأ جاسم  لايميز شيئاً من الحروف ، وتكرر ذلك في العين الأخرى فهز الطبيب رأسه بأسف وقال:

استاذ عيونك تعبانة يجب ان ترتدي نظارات طبية، قال جاسم:

دكتور هل يوجد لص بحجم هذا الحرف ويصعب علي رؤيته؟ قال الطبيب بأستغراب:

وما هو عملك بالضبط؟قال جاسم:

حارس مدرسة انشاء الله.

   ضحك الطبيب بصوت عالي وهو يربت على كتف جاسم ويقول انهض انت ناجح وبصرك 6/6 حسبت والله انك مهندس أو مدرس وبدأ يقلب بالأستمارات التي في الفايل .

    أكمل جاسم أوراقه وعليه الأنتظار يومين حتى يحين موعد التقديم ولم تخلو ساعة من هذه اليومين من حلم في اليقظه أو في المنام ، وفي يوم السبت كان جاسم أول من قدم فايله لمكتب التشغيل وأبلغه الموظف ان نتائج القبول بعد أسبوع وسوف تعلق على الجدار الخارجي للمكتب .

 كان الأسبوع دهراً في حياة جاسم وأصبح تعينه حديث المقهى ، الكل يسأل ويتمنى ويدعوا لجاسم بالتوفيق ، وفي الموعد كان جاسم بنفس قيافته يتدافع مع الحشد المتجمهر أمام القوائم المعلقة على جدار مكتب العمل واستطاع ببنيته القوية أن يصل الجدار لكنه وقف لايدري ماذا يفعل انتبه له أحد معارفه وقال له: أ بو نصيف انتظر دقيقة ، وبدأ يقرأ أسمه في القوائم وصاح جاسم محمد سعيد مبروك حارس في وزارة التربية وتسلسلك (52)

 أدخل الى المكتب، دخل جاسم مباشرة أمام مكتب الأنسة نضال وقال بعد أن بلع ريقه:

ست نضال تسلسلي (52) رجاءاً، بدأت نضال تقلب القوائم وقالت:

بسام عبدالحميد مجيد مهندس مدني وزارة الأسكان مبروك، كان جاسم غارقاً في حلم سريع وهي تنظر اليه بدهشة ، انتبه لها وقال :

أني ، قالت: نعم تسلسل 52  قال: أن لست مهندساً حارساً في مدرسة واسمي جاسم محمد سعيد، لم تستطع نضال أن تخفي ابتسامتها وبدأت تبحث في قوائم العمال ووجدت أسمه وهي تقول :

راجع مديرية التربية وأعطهم هذا الكتاب ولكن قيافتك ليست قيافة حارس مدرسة،قالت ذلك وهي غارقة في الضحك .

راجع جاسم مديرية التربية وبصحبته استاذ محمود وتم تنسيبه حارساً في نفس المدرسة التي كان فيها طالباً واستاذ محمود معلماً وخرج الأثنان من مديرية التربية وكان جاسم يسير أمام أستاذه بخفة عجيبة ليعبر الشارع الى الجهه المقابلة  وهو يطوي كتاب التنسيب ويضعه في جيبه ولم يذكر بعد ذلك سوى صوت استاذ محمود وهو يصيح به انتبه جاسم السيارة ، فتح جاسم عينيه في المستشفى  ووجد حشد من أهل المنطقه ملتفين حول السرير ويجلس استاذ محمود على حافة السرير ممسكاً بقدمي جاسم  المغطاة بغطاء سميك وشقيقته مديحه تمسح جبينه بمنديل رطب، وبعد اشهر كان الدوام في المدارس قد بدأ وجاسم يجلس على كرسي متحرك وبيده علب نساتل وبسكويت يبيعها أمام باب المدرسة وبين لحظة وأخرى يخرج حارس المدرسة الجديد ليبعده بضعة أمتار وجاسم ينظر اليه بحقد فهذه الوظيفة كانت ستصبح له قبل أيام وراح سارحاً في حلم جديد .


مشاهدات 47
الكاتب عاصم الجبوري
أضيف 2026/07/11 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 2:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 160 الشهر 10807 الكلي 15915934
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير