الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اقتصاد العراق بين الاعتماد على النفط وفرص التنويع

بواسطة azzaman

اقتصاد العراق بين الاعتماد على النفط وفرص التنويع

مرام مازن

 

حين تتحول الثروة إلى اختبار للمستقبل

"ليست المشكلة أن يمتلك العراق النفط… بل أن يبقى مستقبله الاقتصادي معلقاً بسعر برميل"

ليس غريباً أن يمتلك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكن الغريب أن يبقى اقتصاده قلقاً كلما اهتزت أسعار النفط في الأسواق العالمية. ففي كل مرة ينخفض فيها سعر البرميل، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل تستطيع الدولة الحفاظ على مستوى الإنفاق؟ وهل تستمر المشاريع والخدمات؟ وهل يبقى الاقتصاد قادراً على مواجهة التحديات؟

هذه الأسئلة تكشف حقيقة أعمق؛ فالأزمة ليست في حجم الثروة، وإنما في طبيعة الاقتصاد الذي ما زال يعتمد على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد للإيرادات، الأمر الذي يجعل المالية العامة شديدة التأثر بأي تغير في الأسواق العالمية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الحديث عن تنويع الاقتصاد خياراً نظرياً أو شعاراً يتكرر في الخطط الحكومية، بل أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية العالمية ومتطلبات التنمية، وطريقاً لبناء اقتصاد أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.

وتزداد أهمية هذا الهدف في المرحلة الحالية، في ظل التحديات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، واستمرار الحاجة إلى تمويل مشاريع البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص عمل للشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع العراقي. ومع هذه التحديات، لم يعد التنويع الاقتصادي ترفاً فكرياً أو شعاراً حكومياً ، بل ضرورة وطنية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمن المالي للدولة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن إيرادات النفط لا تزال تشكل نحو 88% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، وهو ما يعكس حجم الاعتماد على مورد واحد في تمويل الدولة. ورغم أهمية هذه الإيرادات في دعم الإنفاق العام، فإنها تجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لأي انخفاض في أسعار النفط أو اضطراب في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على المشاريع والخدمات، وقدرة الحكومة على تنفيذ خططها التنموية.

وفي المقابل، بدأت الحكومة العراقية خلال السنوات الأخيرة باتخاذ خطوات لتعزيز الإيرادات غير النفطية، من خلال تطوير النظام الضريبي، وتحسين إدارة المنافذ الحدودية، وتوسيع استخدام الجباية الإلكترونية، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص. وتمثل هذه الخطوات مؤشراً إيجابياً على إدراك أهمية تنويع مصادر الدخل، إلا أن نجاحها سيبقى مرتبطاً بسرعة التنفيذ، ورفع كفاءة المؤسسات، وضمان الشفافية، حتى تتحول هذه الجهود إلى نتائج ملموسة تسهم في تقليل الاعتماد على النفط.

"الاقتصادات القوية لا تخشى انخفاض أسعار سلعة… لأنها لا تضع مستقبلها كله في سلعة واحدة".

إن المشكلة لا تكمن في النفط، فهو ثروة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها، وإنما في غياب التوازن الاقتصادي. فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات مستقرة لم تتخلَّى عن مواردها الطبيعية، بل استثمرتها في تطوير الصناعة، والزراعة، والسياحة، والخدمات، والتكنولوجيا، حتى أصبحت تمتلك مصادر دخل متعددة قادرة على مواجهة الأزمات.

ومن وجهة نظري، فإن أكبر خطر يواجه الإقتصاد العراقي ليس انخفاض أسعار النفط، بل الاعتياد على الاعتماد عليه. فالاعتماد الطويل على مورد واحد خلق ثقافة اقتصادية تنتظر ارتفاع الأسعار أكثر مما تبحث عن خلق فرص جديدة للنمو. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتغيير طريقة التفكير الاقتصادي قبل تغيير الأرقام في الموازنة.

ويمتلك العراق جميع المقومات التي تؤهله لهذا التحول؛ فالأراضي الزراعية الواسعة، والثروات المعدنية، والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا، والمقومات السياحية الدينية والأثرية، فضلًا عن الطاقات البشرية الشابة، كلها تمثل فرصاً حقيقية يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد متنوع إذا ما استثمرت ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

لكن هذا التحول لن يتحقق بمجرد الخطط أو التصريحات، بل يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، وتشريعات واضحة، وإجراءات إدارية مرنة، وقضاء يحمي المستثمر، وإدارة حكومية تعتمد الكفاءة والشفافية. كما تبقى مكافحة الفساد جزءً أساسياً من أي إصلاح اقتصادي، لأن أي بيئة لا تتوافر فيها الثقة والعدالة ستفقد قدرتها على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية.

"الثروة الحقيقية ليست ما نستخرجه من باطن الأرض… بل ما نبنيه فوقها".

ولا يقل الإستثمار في الإنسان أهمية عن الاستثمار في الموارد الطبيعية، فالتعليم النوعي، والتدريب، والبحث العلمي، ودعم الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال، تمثل الأساس الحقيقي لبناء اقتصاد قادر على المنافسة، لأن الثروة التي لا تتحول إلى معرفة وإنتاج تبقى معرضة للتقلب.

واليوم، بينما يشهد العالم تحولاً متسارعاً نحو الاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراق على نفسه لم يعد: كم برميلًا نصدر كل يوم؟ بل أصبح: كيف نبني اقتصاداً يستطيع الاستمرار عندما تتغير معادلات الطاقة العالمية؟

وأرى أن العراق لا يعاني من نقص في الإمكانات، وإنما من غياب الاستمرارية في تنفيذ الخطط. فالمشاريع الاقتصادية لا تُقاس بعدد المؤتمرات التي تُعقد أو الاستراتيجيات التي تُعلن، بل بقدرتها على خلق وظائف حقيقية، وزيادة الإنتاج، وتقليل حاجة الدولة إلى الاعتماد على النفط في تمويل نفقاتها. وعندما تصبح النتائج هي معيار النجاح، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول اقتصادي حقيقي.

لقد أثبتت التجارب أن الثروات وحدها لا تصنع الدول، بل تحسن إدارتها. والعراق اليوم لا يقف أمام أزمة موارد، بل أمام اختبار حقيقي للإرادة والقدرة على تحويل ثرواته إلى مصادر دخل مستدامة، تكون نقطة انطلاق نحو اقتصاد متنوع، منتج، وأكثر استقراراً

وفي تقديري، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول اليوم ليس: "كم بلغ سعر برميل النفط؟"، بل: "كم قطاعاً اقتصادياً أصبح قادراً على تمويل نفسه بعيداً عن النفط؟ "فالإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح عراق أكثر استقراراً في المستقبل.

فالمستقبل لن تكتبه أسعار النفط وحدها، بل ستكتبه القرارات التي تُتخذ اليوم، والاستثمارات التي تُوجَّه نحو الإنسان والإنتاج، والإصلاحات التي تُترجم إلى واقع. وعندما يصبح التنويع الاقتصادي مشروعاً وطنياً لا مجرد بند في الخطط الحكومية، عندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من اقتصاد ينتظر تقلبات الأسواق، إلى اقتصاد يصنع مستقبله بثقة واقتدار.


مشاهدات 41
الكاتب مرام مازن
أضيف 2026/07/06 - 2:19 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 3:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 6542 الكلي 15911669
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير