الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوافُ الغريب (26)

بواسطة azzaman

تطوافُ الغريب (26)

حسن النواب

 

كانت الشاعرة الأسترالية الثرية «بات سولّي» تجلس إلى جواري في مقهى القمر ذلك المساء الذي لم يكن يشبه أي مساء آخر، وكانت أصابعها ترتجف فوق الورقة كأنها تتحسس شيئًا مفقودًا في الهواء. لم تكن قلقة فحسب، بل كانت كأنها تحاول أن تمنع انهيارًا داخليًا لا يراه أحد غيرها. قرأت بصوت خافت قصيدتها التي سمّتها «البيت»، لكنها كانت في الحقيقة قصيدة عن الفراغ، عن تلك المساحة التي تتسع كلما حاول الإنسان أن يملأها.

كنتُ أنظر إليها وأقول مع نفسي:

- يا باتتعالي إلى مخدعي ودمّري حياتي، لعل الخراب الذي تحملينه أجمل من الخراب الذي أحملهُ.

كانت تقول في قصيدتها:

البيت أسطورة 

هذا الذي كنت تراه قصرًا 

هو في الحقيقة غرفة واحدة 

كنا نقرأ فيها الأشعار 

ونسمع الموسيقى 

ونزدرد الحكومات السافلة 

ونأكل الشوكولاتة الحارة 

ونغازل الحيوانات الأليفة 

ونتطلع إلى اللوحات الثمينة 

أنا أسميه البيت 

وكنت تسميه القصر 

كان أسطورة 

ولقد خرجت منه 

عسى أن يصبح أسطورة أخرى 

ما زال البيت أسطورة 

وأنت ما زلت تريد أن تصبح أسطورة.

حين أنهت القراءة، شعرتُ أن القصيدة ليست عنها وحدها، بل عن كل شاعرٍ يحاول أن يصنع من حياته مكانًا صالحًا للعيش، فيفشل. البيت عندها ليس جدرانًا، بل ذاكرة تتآكل. أما القصر الذي ذكرته أكثر من مرة في قصيدتها، فلم يكن سوى إسقاطٍ لرغبتها في أن تجد مكانًا يليق بالشعر، مكانًا لا يطرده الواقع ولا يبتلعه الضجر.

في تلك اللحظة، نهض شاعر إيطالي كان يجلس في الزاوية، وبدأ يقرأ قصيدة مشتركة مع شاعر أسترالي. واحد يقرأ بالإيطالية، والآخر بالإنكليزية، كأنهما يجرّان اللغة من طرفين متناقضين. كان السجال بينهما أشبه بمبارزة، لا بين لغتين، بل بين روحين.

قال الإيطالي بصوتٍ يشبه حشرجة جريحة:

ألمس الكلمة لكنها لا تحنو على قلمي.

وردّ عليه الشاعر الأسترالي بحدة:

البكاء وحده من يختصر اللغة.. أما الابتسامة فهي لغة زائفة.

كان المشهد كله يذكّرني بأصدقائي الصعاليك الذين عرفتهم في بغداد، أولئك الذين لم يكن لهم بيتٌ ولا قصرٌ، بل مقهى واحد وليل طويل. تذكرت جان دمو وهو يضحك من الخراب، وكزار حنتوش وهو يكتب قصيدته على ورقة علبة السجائر، وعقيل علي الذي كان يمشي كأنه يحمل العالم فوق كتفيه. تذكرت الرسام هادي السيد وهو يمسك علبة الألوان كمن يحضن جثةً عزيزة.

نظرت إلى شعراء مقهى القمر وقلت لهم في سرّي:

- لو كان هؤلاء معي الآنلرأيتم كيف يروّض الشعر مثل مهرة جامحة أمام أنظاركم. هذا الشعر الذي تريدون أن تلمسوه.. لقد لمسته كثيرًا، حتى صارت أصابعي تنزف من حدّته.

قرأت لهم قصيدة صغيرة لعقيل علي، قصيدة تشبه جرحًا مفتوحًا:

غنِّ يا صاحبي.. غنِّ 

علَّنا ننسى ولو مرةً 

أنّ الأسوار عالية.

صفّقوا للمقطع، لكنهم لم يفهموا أن عقيل لم يكن يكتب شعرًا، بل كان يكتب حياته وهي تتساقط. سأل أحدهم:

- هل هناك متحف لهذا الشاعر؟ 

ضحكتُ ضحكة قصيرة، ثم شربتُ كأسي أمامهم وبكيت بلا خجل. لأن الشعراء الذين أحببتهم ورافقتهم لم يكن لهم حتى مأوى. بل كانت لهم الأرصفة والشوارع والأقبية والحدائق، وليل واحد، وذاكرة مشرّدة.. وأنا.

يتبع… 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/07/06 - 1:25 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 3:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 179 الشهر 6543 الكلي 15911670
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير