تطواف الغريب (24)
حسن النواب
لا أثرَ لِجان دمو في ساحةِ الميدان. الجغرافيا تنقلب في رأسي كخرائطَ غمرها المطر؛ فأجدني، في اللحظة نفسها، واقفًا عند بوّابةِ محطةِ قطاراتِ سدني، بينما هواجسي تُصِرّ على أنني ما زلتُ في قلبِ ساحة الميدان. الوجوه تحدّق بي بفضولٍ بارد، كأنني كائنٌ خرج تَوًّا من شقٍّ في الزمن، يتلعثم بلغتين: الإنجليزية حين تلين روحي، والصياح حين يضيق صدري بما لا يُقال. تأكد لي أن جان لم يعد معي، وأن الغد يحمل ذكرى رحيله إلى الفردوس. وها أنا، والكناغر تحوم حولي كأرواحٍ حائرة، أفتّش عن قبرك بين قبورٍ أنيقةٍ مكلّلة بالورد والشموع. أخبرني القس، حين زرته في الكنيسة، أنهم دفنوك عموديًا لضيق المساحة في المقبرة، ولم يتركوا شاهدةً على قبرك. خذلك الجميع يا جان؛ حتى الأرض ضاقت بك. توقفتُ في منتصف المقبرة الوارفة بشجر أعياد الميلاد، المعبّدة شوارعها بالمرمر الصقيل. كنت ألهث مثل طفلٍ ضائع، بعد أن خاب رجائي في العثور على قبرك. هطلت دمعة من عيني، لكنها لم تسقط على الأرض؛ خلتها تهوي على جثمانك الواقف تحت التراب. آهٍ يا جان حتى في موتك لم تجد مساحة تستريح عليها من عناء الدنيا. ورأيتك في خيالي تبتسم وتدعوني إلى قبرك المجهول. لكن أين أجده يا جان؟ وصدى صوتك يتردّد في خلجاتي، حين كنت تصرخ ساخطًا في حانة روافد دجلة: «هذا العار دمّرنا!» وكنت تعني الطاغية ولا أحدًا سواه. أجل يا جان دمو كنت تحمل سخريةً لاذعة في وجه الطاغية، وتشردتَ في بغداد كما يتشرد الضوء بين الأزقة الضيقة. عشت حياتك على حافة الجوع واللغة، وهاجرت البلاد مطلع عام 2000، لتُدفن عموديًا في أستراليا بتاريخ 8/5/2003؛ قبرٌ بلا شاهدة، كأن العالم كله أجمعَ على أن تظل واقفًا حتى بعد موتك. أقفلتُ عائدًا بخيبتي. وطوال أسبوع سفرتي إلى سدني لم أفارق الخبز العراقي؛ كنت ألتهمه لأشبع جوع روحي من حرمانٍ أعرف أنه سيعود إليّ حين أرجع إلى بيرث، المدينة التي تخلو من المطاعم العراقية ومن رائحة التنور. والحق، ليس هناك أشهى ولا أصدق من الخبز العراقي على وجه البسيطة. سبع سنواتٍ توزعت بين الأردن وأستراليا، لم أتناول خلالها وجبة كاملة ما دام رغيف الخبز العراقي غائبًا عن مائدة الفطور والغداء والعشاء. غير أن الله كان رؤوفًا بحالي؛ فبعد عام تقريبًا رأيت عند واجهة حانوتٍ لأحد العراقيين تنورًا عراقيًا من لحمٍ ودم. هرعت إليه ملتاعًا، احتضنته كما يحتضن المرء حبيبًا عاد من حربٍ طويلة. قبّلتُ التنور أمام المارة الأستراليين، فظنّوا أنني شخصٌ مخبول، ولا حرج في ذلك؛ الشاعر لا يُحاسَب على جنونه. اشتريت التنور رغم ثمنه الباهظ، وحملته إلى البيت كمن يحمل وطنًا صغيرًا بين ذراعيه. أمضيت ثلاثة أيام أبحث عن جهاز منظّم للغاز يناسبه، حتى عثرت عليه أخيرًا. وضعناه في حديقة البيت الخلفية، وأشعلتُ عود الثقاب، ثم فتحت صمام الغاز؛ فتوهّجت النار في قلبي وروحي ودمي وعقلي. سمعتُ هسيس النار وهي تلامس بلهبها الرقيق وجه الرغيف الذي برعت أمّ الجهال في صنعه على جدار التنور. وحين نضج الرغيف وخرج إلى وجه الدنيا الأسترالية، شعرتُ أن العراق بأسره قد خرج معه. هتفت بلا وعي: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد. وحين لسع الرغيف أصابعي، هجستُ بالسكينة، وشعرت أن البلاد كلها تعيش معنا في تلك اللحظة. كيف لا؟ وقد صار التنور تعويذتي، ورفيقي في هذه الغربة الخانقة التي أتمنى ألا تطول. لا أغالي في حكايتي هذه. اسألوا أي غريب عن البلاد: ماذا يعني له رغيف الخبز العراقي في المهجر؟ ستجدون دموعه تهطل دون خجل، شوقًا لذلك الرغيف المقدّس الذي لا شبيه لشكله ولا لطعمه ولا لرائحته في أصقاع العالم.
يتبع…