الساهر خارج برواز الكمال
غفران الغريباوي
في أحدث ظهور للنجم كاظم الساهر بحديث بديع ومطول مع أنس بوخش في أحد البرامج، تجاوزت ضجة رواد المنصات الرقمية كونها حدثًا فنيًا عابرًا، لتتوزع بين حشدٍ من عبارات الإطراء، وآخرين استاؤوا من تطرقه للنقاط السلبية التي لا تروق لشخص بحجمه؛ لتصبح لحظة كشفٍ لـ «إنسانيةٍ عارية»، كما لو أنه اختار أن يبدو للمرة الأولى خارج صورته المعهودة.
ظهورٌ اقتدح شرارة الإعجاب في قلوب النساء بخاصة، بعد اعترافه بالذنب تجاه علاقاته الحميمة في حياته، وقوله الذي أثار بعضًا من الجدل: «نحن الرجال ندمر أكبر امرأة»، بأقصى درجات الشجاعة، كأنه انتزع القداسة عن أقوام صنعوا لأنفسهم مقامًا عاليًا محصنًا من الخطأ. ففي مخيلة المجتمعات الشرقية، نادرًا ما يمتلك الرجال جسارة البوح عن الفشل العاطفي أو اعتراف التقصير بحق الأنثى التي كانت تخصهم.
حديثُ الساهر بتلكؤاته العشوائية، وفقداناته، وتناقضاته الفريدة، جسّد وصف دوستويفسكي الدقيق لهذه الحالة: «لأنه يريك إنسانًا بلا جلد»، لذلك أحبوه رغمًا عنهم. كاظم في ظهوره الأخير هو ميشكن لحظة الصدق المطلقة.
لكن هذه المرة، لم يكتفِ الساهر بطرح التنظير الجاف، بل نزع الجلد بيده، وأعلن أنه النجم المكسور الذي ارتفع بجمهوره لمصاف الندّية.
لم يكن يمارس هشاشة، بل كان يمارس تصالحًا شفافًا مع ذاته؛ وهذا الضوء هو الذي حوله من أيقونة إلى مرآة. ببساطة، قال للمشاهد: أنا لستُ بطلاً، أنا أنت. وتلك هي نقطة بداية الحب في عيون عشاقه. النجم الذي عاش عقودًا تحت أضواء المجد، هبط من عليائه الباذخ إلى أرضية العادية، فصار هو من يخبرك أنك لست وحدك في غربتك، أو في كلّ ألم مررت به، في حزنك على من رحلوا، أو في شعورك بأنك لم تكن «كافيًا» لمن أحببت، مما جعله قريبًا من جمهوره لا بعيدًا عنهم.
هنا تكمن فلسفة الحكاية: إذ يحب الناس النجوم عندما يسقط عنهم برواز الكمال، ويمنحهم إذنًا لا شعوريًا بأن يكونوا ناقصين ومكسورين مثله. لقد نجح الساهر في جعل الجمهور يتنفس بعيدًا عن قالب «سطوة المشهور»، فتحول من أيقونة إلى رفيق في الرحلة.
إنها بداية الخلود، حيث يتجاوز الحب الساذج للمشاهير إلى الذوبان فيهم. فالإبداع والفن ربما يُتناسيان، واللحن قد تتبدله الأذواق، لكن لحظات الصدق المشتركة تظل بصمة يحتفظ بها الزمن بقيّة الحياة.