هذا حكومي وذاك اهلي وآخر درس خارج العراق
بارعون نحن في صناعة التفرقة و إطلاق الأحكام التمييزية غير الموضوعية"
عبدالقادر حداد
يعد ملف التعليم في العراق واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط بسبب التحديات البنيوية التي يواجهها النظام التعليمي، بل أيضًا بسبب الطريقة التي يُدار بها النقاش العام حوله. فبدل أن يكون الحديث منصبًا على تطوير المناهج، وتحسين البحث العلمي، ورفع جودة المؤسسات الأكاديمية، اتجه جزء من الخطاب العام إلى مسار مختلف يقوم على تصنيفات سطحية تختزل قيمة الإنسان العلمي في هويته التعليمية: هذا خريج جامعة حكومية، وذاك من جامعة أهلية، وآخر درس خارج العراق. ومع تكرار هذا النمط من الخطاب، بدأت تتشكل حالة من الاستقطاب غير الصحي داخل المجتمع الأكاديمي نفسه، حيث يُعاد إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية تحت غطاء “تقييم التعليم”، بينما هو في جوهره يتحول في كثير من الأحيان إلى نوع من التمييز غير المباشر . المشكلة الأساسية لا تكمن في أصل النقاش حول جودة التعليم، فالنقد العلمي للمؤسسات التعليمية ليس فقط مشروعًا، بل ضروري لأي بلد يسعى إلى التطوير. من الطبيعي أن تتم مقارنة الجامعات، وأن تُطرح أسئلة حول كفاءة المناهج، ومستوى البحث العلمي، ومدى ملاءمة الخريج لسوق العمل، وحتى موقع الجامعة في التصنيفات العالمية. لكن الخط الفاصل بين النقد العلمي وبين الخطاب التمييزي يبدأ عندما يتحول تقييم المؤسسات إلى تقييم للأشخاص، وعندما يصبح الانتماء إلى جامعة معينة معيارًا مسبقًا للحكم على الكفاءة، قبل النظر إلى أي إنجاز علمي أو مهني فعلي . في الحالة العراقية، لا يمكن تجاهل وجود تحديات حقيقية في منظومة التعليم العالي، سواء في بعض الجامعات الحكومية أو الأهلية، من حيث تحديث المناهج، أو ضعف البيئة البحثية، أو محدودية الانفتاح على الإنتاج العلمي العالمي، أو حتى تفاوت جودة البرامج بين مؤسسة وأخرى. كما أن بعض المؤشرات العالمية في تقييم البحث العلمي والنشر الأكاديمي اصبحت تضع الجامعات العراقية في مراتب متأخرة مقارنة بجامعات إقليمية أو دولية. هذا الواقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي قائم على تقييم موضوعي وجاد. لكن الإشكال لا يكمن فقط في الاعتراف بهذه الحقائق، بل في الطريقة التي يُستثمر بها هذا الواقع أحيانًا لإنتاج خطاب استعلائي غير علمي، يختزل قيمة الإنسان في مكان دراسته بدل أن يقيسه بقدراته الفعلية . ومن زاوية أخرى أكثر عمقًا، فإن مقارنة التجارب التعليمية لا يجب أن تُفهم بوصفها تقليلًا من الداخل أو الخارج، بل بوصفها جزءًا من ديناميكية طبيعية في تطور التعليم عالميًا. ففي الغالب، تتفوق العديد من المؤسسات التعليمية خارج العراق من حيث الأساليب الحديثة في التدريس، وتنوع المناهج، والبنية البحثية، ومستوى الاندماج مع التصنيفات والمعايير الأكاديمية العالمية، إضافة إلى البيئة التعليمية التي تشجع على النقد العلمي والبحث المستقل. وهذا لا يعني تعميم التفوق على كل جامعة خارجية، لكنه يعكس واقعًا عامًا في كثير من الأنظمة التعليمية الأكثر تطورًا . وفي المقابل، فإن هذا التفوق النسبي في بعض البيئات التعليمية الخارجية يجب ألا يُفهم على أنه عامل إقصاء أو تقليل من شأن خريجي الداخل، بل على العكس، في العديد من الدول المتقدمة يتم النظر إلى الدارسين في الخارج باعتبارهم مصدرًا مهمًا لنقل الخبرات والتجارب المختلفة، لا سيما عندما يعودون إلى بلدانهم. فالتجربة التعليمية خارج الحدود تمنح الطالب خبرة في أنظمة أكاديمية مختلفة، وأساليب تدريس متقدمة، وبيئات بحثية متنوعة، وهو ما يمكن أن يشكل إضافة حقيقية إذا تم استثماره بشكل صحيح داخل المؤسسات المحلية . لكن ما اصبح يحدث وبكثرة خلال السنوات الأخيرة في السياق المحلي هو عكس هذا المنطق تمامًا، إذ تحول التنوع إلى مادة للتصنيف، وتحولت الخلفية التعليمية إلى معيار تفاضل اجتماعي، بدل أن تكون قيمة مضافة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن هذا النوع من التفكير لا يكتفي بتضليل الواقع، بل يعيد تشكيله بطريقة سلبية، حيث يصبح الانتماء إلى مؤسسة معينة سببًا للتقييم المسبق، سواء بالإيجاب أو السلب، بعيدًا عن أي معيار علمي موضوعي . إن أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه يحوّل النقاش من نقاش حول “الجودة” إلى نقاش حول “الهوية”. فبدل أن يُسأل: ما مستوى هذا الباحث؟ ما قيمة إنتاجه العلمي؟ ما خبرته العملية؟ ما المادة العلمية التي يناقشها بحثه ومدى أهميتها؟ يصبح السؤال: من أين تخرج؟ وهل دراسته داخل العراق أم خارجه؟ وهل جامعته حكومية أم أهلية؟ هذا التحول في معيار التقييم يمثل انزلاقًا من المنطق الأكاديمي إلى منطق اجتماعي تصنيفي، يهدد العدالة في تقييم الكفاءات، ويخلق حواجز نفسية بين المتعلمين أنفسهم . في النهاية، يمكن القول إن أزمة التعليم لا تُحل عبر إعادة إنتاج الانقسامات بين خريجيه، بل عبر توحيدهم حول معيار واحد هو الكفاءة. أما استمرار الخطاب الذي يختزل الناس في تسميات جامعية أو جغرافية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة داخل المجتمع الأكاديمي، وإبطاء أي محاولة جادة للنهوض بالتعليم نحو مستوى أكثر جودة وإنصافًا .